Table of Contents
شهدت الساحة الإقليمية والدولية مؤخراً موجة من الأنباء والتسريبات التي أثارت لغطاً واسعاً؛ إذ جرى الحديث عن تفاهمات إيرانية-أمريكية في “فرساي” برعاية إدارة ترامب، وُصِفت بأنها طوق نجاة مالي لطهران من شأنه الإفراج عن الأصول المجمدة وضخ مئات المليارات في صناديق إعادة الإعمار وعائدات النفط. وفي خضم هذه الأجواء، تداولت وكالات أنباء عالمية (من بينها رويترز) تقارير تشير إلى تقديم دولة الإمارات العربية المتحدة دعماً مالياً ضخماً لطهران كخطوة استباقية قبل توقيع الاتفاق. ورغم النفي الرسمي الإماراتي القاطع والسرعة في تكذيب هذه التقارير، فإن مجرد طرح مثل هذه الفرضية في الفضاء السياسي يسلط الضوء على تحول بنيوي وعميق في عقيدة بلدٍ طالما عُدَّ، إلى عهد قريب، رأس الحربة في مواجهة التمدد الإيراني.
لقراءة هذا المشهد وتفكيك أبعاده، لا بد من الغوص في فلسفة التحول الاستراتيجي الإماراتي، وتتبع مآلات نموذج “إسبرطة الصغيرة” في عالم مضطرب.
أولاً: عقيدة “الانحياز المتعدد” والتخلي عن الشيك الأبيض
تنتهج أبوظبي اليوم ما يمكن تسميته بعقيدة “الانحياز المتعدد” (Multi-Alignment)، وهي مقاربة تقف على طرفي نقيض مع مفهوم “عدم الانحياز” التقليدي. فبدلاً من النأي بالنفس عن الصراعات، تسعى الإمارات إلى نسج شبكة تحالفات متزامنة ونشطة مع القوى الدولية المتنافسة كافة.
ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتاج قناعة تولدت لدى صانع القرار الإماراتي بأن الاعتماد المطلق على “المظلة الأمنية الأمريكية” لم يعد مضموناً، لاسيما بعد الاعتداءات التي استهدفت ناقلات النفط والمنشآت الاقتصادية في الخليج خلال السنوات الماضية، والتي جابهتها واشنطن ببرود سياسي أثار حفيظة حلفائها. بناءً على ذلك، أعادت الإمارات صياغة تموضعها؛ فهي تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته انضمت إلى تكتل “بريكس بلس”، وتعمق روابطها التجارية مع الصين والهند، وتفتح أبوابها للاستثمارات الروسية، وتتحرك ببراغماتية مفرطة لتصفير الأزمات مع خصوم الأمس كتركيا وإيران.
ثانياً: ركائز نموذج “إسبرطة الصغيرة”
تأسس النموذج الإماراتي الحديث، الذي استحق لقب “إسبرطة الصغيرة” من وزير الدفاع الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس نظراً لتأثيره العسكري والسياسي النافذ الذي يتجاوز حدود حيزه الجغرافي والسكاني، على ثلاثة روافد استراتيجية صاغتها الرؤية الاتحادية منذ التأسيس وتطورت مع الجيل الثاني من القيادة:
الاعتماد المتبادل المعقد (Complex Interdependency): نجحت الإمارات في تحويل وفرتها النفطية إلى أذرع استثمارية سيادية عملاقة (مثل موانئ دبي العالمية وصناديق الثروة السيادية) تتغلغل في مفاصل الاقتصاد العالمي، مما جعل استقرارها الداخلي مصلحة حيوية للقوى الكبرى؛ فالقاعدة الذهبية هنا: “إن أفضل درع واقٍ هو أن تربط مصالح الآخرين بوجودك”.
التفوق التكنولوجي والنوعي: للتغلب على المعضلة الديموغرافية (العدديّة)، استثمرت الدولة بكثافة في بناء قوة عسكرية ضاربة تعتمد على الكيف لا الكم؛ وذلك عبر اقتناء أحدث منظومات الدفاع الجوي، وتطوير سلاح الجو، والاعتماد المتزايد على تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة، والأمن السيبراني.
الانتشار الجيوسياسي: بناء نفوذ ممتد عبر الموانئ والقواعد العسكرية في مناطق مشاطئة لخطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية، لاسيما في القرن الإفريقي، ومضيق باب المندب، وبحر العرب.
ثالثاً: أزمة النموذج ومفترق الطرق بين الردع والواقعية
على الرغم من صلابة هذا النموذج، إلا أن التوترات المستمرة في منطقة الخليج كشفت عن ثغرة جوهرية؛ إذ إن دولة يقوم نموذجها الاقتصادي والوجودي على جذب الرساميل، والسياحة العالمية، والملاحة الحرة، والابتكار (مثل دبي وأبوظبي)، لا يمكنها تحمل كلفة حرب استنزاف طويلة أو العيش تحت رحمة المسيرات والصواريخ الباليستية. إن أي اهتزاز في البيئة الأمنية، ولو كان طفيفاً، كفيل بإفزاع رأس المال “الجبان” بطبعه، ورفع كلفة التأمين البحري، وضجيج الإعلام الدولي.
من هنا، يجد صانع القرار الإماراتي نفسه أمام خيارين أحلاهما مر، ويمثلان جوهر الجدل الاستراتيجي الراهن:
المسار الأول (التشدد الردعي): المضي قدماً في خيار “إسبرطة” العسكري، ومضاعفة الاستثمار في منظومات الدفاع الذاتي والذكاء الاصطناعي الردعي، والتحصن وراء تحالفات أمنية قوية لمواجهة أي خطر إيراني محتمل بصرامة ودون تنازلات.
المسار الثاني (الواقعية البراغماتية): وهو المسار الذي يبدو أنه يرجح كفته الآن، ويقوم على احتواء الخطر عبر الدبلوماسية الاقتصادية، وتفكيك العقد السياسية، وتحويل الجار المشاكس (طهران) إلى شريك تجاري مستفيد من الاستقرار. فرغم نفي تقديم دعم مالي مباشر، تظل دبي الرئة الاقتصادية الحيوية لإيران، وتظل سياسة “الخطوط المفتوحة” مع طهران خياراً إماراتياً لحماية الجبهة الداخلية وتأمين خطوط الملاحة.
إن الإمارات اليوم، بين مطرقة الجغرافيا السياسية الفريدة وسندان الطموح الاقتصادي العالمي، تعيد تعريف عناصر قوتها، مبرهنة على أن الدبلوماسية المرنة وبناء الجسور قد تكون أحياناً أكثر مضاءً من حد السيف.