Table of Contents
تحليل استراتيجي يكشف حقيقة المشهد الليبي في 2026؛ فخلف هدوء الجبهات والميزانية الموحدة، يجري سباق تسلح محموم وصفقات جيوسياسية تنذر باندلاع حرب أهلية ثالثة، في ظل استمرار انقسام البلاد بين حكومتي طرابلس وطبرق.
مقدمة: هدوء ما قبل العاصفة
أرى خلل الرماد وميض جمر … فيوشك أن يكون له ضرام
فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب مبدؤها الكلام
— نصر بن سيار
تجسد هذه الأبيات الفصيحة جلياً المشهد الليبي في منتصف عام 2026؛ فخلف هدوء جبهات القتال، وتحت رماد المبادرات الدبلوماسية المعلنة، تكمن جمر الحرب الأهلية الثالثة. تقف البلاد اليوم عند أعتاب مفترق طرق تاريخي ومصيري: فإما مسار طويل ووعر نحو إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، أو انزلاق حتمي نحو مواجهة عسكرية شاملة تعيد رسم الخارطة بالدم.
لأكثر من عقد كامل، ظل القطر الليبي مقسوماً بين معسكرين: غرب في طرابلس وشرق في طبرق. واليوم، في وقت يروج فيه الإعلام الدولي لآمال عريضة برعاية خفية من واشنطن ووساطات باكستانية، تشير المعطيات الميدانية إلى أن ما يجري ليس إلا تقاسماً جديداً للغنائم واستراحة محارب في انتظار اللحظة المناسبة لتفجير الصراع.
جذور النزاع: 15 عاماً من انهيار الدولة وتعدد المليشيات
لا يمكن فهم التطورات الراهنة في عام 2026 دون العودة إلى تسلسل الأزمة منذ اندلاع الثورة الليبية وسقوط نظام معمر القذافي في أكتوبر 2011. عجزت المجالس الانتقالية المتعاقبة عن احتواء تركة عقود من الحكم الفردي، وسرعان ما انتشرت الجماعات المسلحة والتنظيمات الجهادية في أرجاء البلاد.
بدلاً من دمج المليشيات المسلحة في أجهزة أمنية نظامية، تحولت هذه المجموعات إلى أمراء حرب يبتزون الدولة. وكان أبرز هؤلاء خليفة حفتر، الذي أعلن تأسيس ما سماه “الجيش الوطني الليبي” عام 2014 للسيطرة على المشهد، لتبدأ الحرب الأهلية الثانية التي انتهت بوقف إطلاق النار عام 2020 دون حسم عسكري، تاركة ليبيا مقسمة بأسوأ وضع راهن مريح للنخب الفاسدة.
تشريح النظامين: مليشيات العاصمة مقابل السلالة العائلية
يعيش طرفا النزاع اليوم حالة من التآكل الداخلي والاعتماد الوظيفي على الخارج:
حكومة طرابلس (الغرب): يرأسها عبد الحميد الدبيبة، الذي تتحكم حكومته في العاصمة شكلياً فقط، بينما تعتمد في الواقع على مليشيات مسلحة شبه مستقلة تتصارع على النفوذ. تحولت طرابلس إلى بيئة مستشرية الفساد، وتتهم السلطات بإدارة مراكز احتجاز تمارس فيها انتهاكات حقوقية جسيمة.
حكومة طبرق (الشرق): تهيمن عليها عائلة حفتر بشكل سلالي محكم، حيث يُنظر إلى نجله صدام حفتر كخليفة لوالده. تدير هذه السلطة شبكات معقدة تتعاون مع العصابات المنظمة، وتعتمد في بقائها على دعم الفيلق الإفريقي الروسي وقوات “الدعم السريع” السودانية.
الخارطة السياسية والعسكرية لليبيا 2026 (جدول مقارنة)
| الميزات والخصائص | حكومة طرابلس (الغرب) | حكومة طبرق (الشرق) |
| القيادة الفعلية | عبد الحميد الدبيبة | خليفة حفتر ونجله صدام |
| طبيعة السلطة | حكومة معترف بها أممياً محاصرة بالمليشيات | حكم عسكري عائلي ذو شراكات مع شبكات التهريب |
| الداعمون الإقليميون | تركيا، قطر، ودعم غربي متذبذب | الإمارات، روسيا، مصر، وباكستان حديثاً |
| الذراع العسكري | كتائب غرب ليبيا والمسيرات التركية | الجيش الوطني، الفيلق الإفريقي، ومرتزقة RSF |
| أبرز الثغرات | هشاشة السيطرة واشتباكات المليشيات | معضلة الخلافة والاعتماد الكلي على المرتزقة |
خديعة 2026: “الميزانية الموحدة” والوساطة الباكستانية
شهد عام 2026 تحركات دبلوماسية غير مسبوقة أعطت انطباعاً كاذباً بقرب تحقيق السلام، أبرزها:
الميزانية الوطنية الموحدة (أبريل 2026): اتفقت الحكومتان على ميزانية بنحو 30 مليار دولار أمريكي تُوزع على القطاعات الحيوية ورواتب الموظفين.
المناورات المشتركة في سرت: نفذت القوات الخاصة الأمريكية تدريبات مشتركة نادرة بين فصائل من الشرق والغرب.
المفاوضات الباكستانية: رعاية إسلام أباد لمفاوضات سرية تشمل تشكيل حكومة انتقالية مدتها 36 شهراً، تُقسّم فيها المناصب التنفيذية والمالية بين الدبيبة وعائلة حفتر.
ولكن، وكما أوضح مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى ليبيا، عبد الله باتيلي:
«إن الفاعلين المؤسسيين الرئيسيين في ليبيا يبدون غير راغبين في حل القضايا الخلافية التي تمهد الطريق نحو الانتخابات.. يبدو أن هذا الوضع الراهن يناسبهم تماماً.»
سباق التسلح المحموم: تجهيز المسرح للحرب الثالثة
وراء الكواليس، يستمر التحشيد العسكري العارم. أبرم خليفة حفتر في ديسمبر 2025 صفقة تسليح ضخمة مع باكستان بقيمة 4 مليارات دولار شملت:
16 مقاتلة متعددة المهام من طراز JF-17.
طائرات تدريب وهجوم خفيف من طراز Super Mushshak.
44 دبابة قتال رئيسية من طراز Haider.
أنظمة دفاع جوي ومدفعية ثقيلة بدعم مالي من الإمارات.
وفي الوقت نفسه، يوفر التحالف الوثيق مع قوات الدعم السريع (RSF) في السودان خياراً عسكرياً خطيراً؛ إذ يمكن لآلاف المقاتلين السودانيين المتمرسين في حرب الصحراء أن يقلبوا ميزان القوى في أي هجوم جديد يشنه حفتر على غرب ليبيا.
الجيوسياسية الدولية و”سلام الصفقات” الأمريكي
تدار اللعبة في ليبيا وفق عقلية البائع والمشتري. تركزت السياسة الخارجية الأمريكية مؤخراً على الممارسات الاستخراجية (عقود النفط والمعادن) دون الاكتراث لبناء ديمقراطية حقيقية.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي جلال حرشاوي، من معهد RUSI البريطاني:
«إن الولايات المتحدة تضغط بقوة في ليبيا، لكن الصيغة التي تحاول فرضها لا تزال فضفاضة وغير محددة المعالم.»
يضيف الخبير في الشؤون الإفريقية كاميرون هدسون:
«لا أحد يثق في إدارة الولايات المتحدة لعملية توحيد في ليبيا تسفر عن أي شيء سوى المكتسبات قصيرة الأجل والمحسوبية طويلة الأجل تحت غطاء الاستقرار الظاهري.»
تتسابق الدول الأوروبية للسيطرة على كبح جماح الهجرة، بينما تحافظ روسيا على موطئ قدمها الإستراتيجي، وتشكل دول أخرى حلفاً مناوئاً للتمدد التركي في المنطقة.
الخلاصة: سراب المصالحة وحتمية المأزق
وَبَيْنَمَا نَحْنُ نَرْجُو صَلَاحَهُمَا .. إِذَا بِهِمَا فِي جَهَنَّمَ يَحْتَرِقَانِ
لا يَسْتَقِيمُ حِصَانُ المُلْكِ فِي يَدِهِ .. مَنْ كَانَ يَبْنِي العُلَا بِالزَّيْفِ وَالخَدَعِ
إن القول بأن ليبيا في عام 2026 تقترب من الاستقرار هو تبسيط مخل لوئام هش. النخب الحاكمة في طرابلس وطبرق لا ترى في التوحيد إلا تهديداً وجودياً لبقائها. السلام القائم على صفقات تجارية وإرضاء المحاور الدولية دون تفكيك بنية المليشيات ليس سوى “مسكن وقتي”.
طالما بقيت المصلحة الشخصية والتربح من الموارد الوطنية هما الموجه الأساسي للساسة الليبيين وداعميهم، فإن خيار العودة إلى لعلعة الرصاص سيبقى دائماً أقرب حدوثاً من تحقيق السلام الدائم.