في خمسينيات القرن الماضي، دوّن الصحفي الراحل ديفيد هولدن في كتابه الكلاسيكي “وداعًا للجزيرة العربية” (1966) مشهداً كان أشبه بلوحة درامية من تراث الصحراء: حاولت الرياض رشوة أمير من آل نهيان، مقابل التنازل عن واحة البريمي الغنية بالنفط. رفض الشيخ العرض، وردّت السعودية بغزو فاشل، لتظل تلك الواحة شاهدة على عناد مؤسس الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان، الذي كان يُعرف آنذاك بـ”سيد البريمي”.
اليوم، وبعد ستة عقود، لا تبدو الصورة مختلفة جوهرياً، وإن اختلفت الأدوات وتضخمت الرهانات. ففي الزاوية الإماراتية، يقف ابن المؤسس، الرئيس محمد بن زايد، وفي الزاوية السعودية، يقف وريث العهد الجديد، الأمير محمد بن سلمان. لكن المعركة هذه المرة ليست على واحة، بل على خريطة الشرق الأوسط برمتها؛ من مياه البحر الأحمر إلى رمال اليمن، ومن جداول أسعار النفط إلى تحالفات إسرائيل وإيران.
هذا التقرير يستعرض بالتحليل العميق جذور هذا الصدع الكبير، ومسارح صراعه، وتداعياته التي قد تعيد رسم حدود النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
أولاً: الجذور التاريخية والنفسية.. “نجد” في مواجهة “الساحل”
لقرون طويلة، نظرت قبائل نجد – قلب الجزيرة العربية ومعقل آل سعود – إلى سكان الساحل الشرقي (دول الساحل المتصالح سابقاً) بنوع من التفوق القبلي والمركزية الدينية. أما اليوم، فقد انقلبت الأدوار؛ فالإمارات، بمراكزها المالية النابضة ودبي السياحية وأبوظبي النفطية، ترى في نفسها كياناً تجاوز مرحلة الوصاية أو التبعية، وأصبح مؤهلاً لمنافسة “البيت الكبير” في الرياض.
لم تكن هذه النزعة وليدة اللحظة: ففي عام 2009، وجهت أبوظبي صفعة قوية لمجلس التعاون الخليجي عندما انسحبت من مشروع العملة الموحدة، معتبرة أن وضع المقر في الرياض (بدلاً من العاصمة الإماراتية) إهانة لا تُغتفر. كانت تلك إيذاناً بظهور إمارات لا تقبل بأن تكون مجرد تابع في منظومة خليجية تقودها السعودية.
مع اندلاع “الربيع العربي” عام 2011، بدا أن الخلافات تطوى مؤقتاً تحت ضغط الخطر المشترك (الإخوان المسلمون، وإيران، واضطراب الأنظمة الملكية). لكن سرعان ما تبين أن هذا التئاماً تكتيكياً، وليس استراتيجياً. فبينما رأت الرياض في الحفاظ على مؤسسات الدول القائمة خطاً أحمر، رأت أبوظبي في تلك المؤسسات عائقاً أمام التمدد الناعم والقوي.
ثانياً: صراع أوبك.. عندما تحول النفط إلى سلاح سياسي
ربما كان الانسحاب الإماراتي من منظمة “أوبك” في مايو الماضي، بعد ستين عاماً من العضوية، هو الشرخ الأوضح والأكثر دلالة. ظاهرياً، كان الخلاف تقنياً بحتاً يتعلق بسقف الإنتاج:
الإمارات تحتج بأنها استثمرت المليارات لرفع طاقتها الإنتاجية، وتريد جني الثمار اليوم، في إطار رؤية استشرافية ترى أن قيمة النفط قد تتهاوى خلال عقدين أو ثلاثة مع تحول العالم للطاقة النظيفة. المغامرة اليوم، برأيها، أفضل من الاحتفاظ بثروة تحت الأرض قد تفقد بريقها غداً.
السعودية، التي تمتلك احتياطيات تفوق نظيرة الإماراتية بأكثر من الضعف، تتبنى فلسفة مغايرة؛ فهي ترى نفسها الحارس الأمين لأسعار النفط، وتفضل إدارة المعروض العالمي لدعم الأسعار على المدى البعيد، حفاظاً على استقرار ميزانيتها ومكانتها الدولية.
لكن وراء هذه الأرقام، تختمر إهانات أعمق. فالإمارات لم تعد تقبل بأن تكون صوتاً ثانوياً في غرفة اجتماعات المنظمة التي تقودها الرياض. قرار الانسحاب كان بمثابة إعلان استقلال اقتصادي، وإيذان ببدء مرحلة جديدة من التنافس المكشوف على النفوذ في أسواق الطاقة العالمية، حيث لم يعد الحديث عن “التنسيق الخليجي” مسلّمة، بل عن “مصالح وطنية” تتصارع في علن.
ثالثاً: مسارح الصراع.. من اليمن إلى السودان، حروب بالوكالة بين “حلفاء الأمس”
ما كان يوماً تحالفاً عسكرياً وسياسياً في اليمن، تحول إلى ساحة بالغة التعقيد للصراع غير المباشر بين أبوظبي والرياض:
أولاً: اليمن وصراع الجنوب: قدمت الإمارات دعماً كبيراً “للمجلس الانتقالي الجنوبي”؛ الفصيل الانفصالي الذي يحلم بإعادة حدود اليمن إلى ما كانت عليه في عصر الحرب الباردة (شمال وجنوب منفصلين). هذا التوجه اصطدم بالرؤية السعودية التي راهنت على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وعلى وحدة البلاد، مهما كانت هشة. وقبل اندلاع الحرب في إيران (فبراير الماضي)، لم تتردد الرياض في توجيه ضربات عسكرية ضد ميليشيات الانتقالي المدعومة إماراتياً، في مشهد مهين لوحدة الصف الخليجي، وكشف عن عمق التصدع.
ثانياً: السودان والصراع على النيل: على الضفة الأخرى للبحر الأحمر، تكرر السيناريو؛ فالإمارات وقفت خلف “قوات الدعم السريع” بقيادة حميدتي، رغم الاتهامات الدولية لتلك الميليشيات بارتكاب جرائم إبادة جماعية، بينما انحازت الرياض بصورة أكثر حذراً للقوات المسلحة السودانية ومؤسسات الدولة التقليدية. النتيجة: حرب أهلية سودانية استعرت أوارها، وأصبحت مرتعاً خصباً للتنافس الإماراتي السعودي على النفوذ في منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية.
ثالثاً: صوماليلاند والاعتراف المتأخر: بينما سارعت السعودية ومعظم العواصم العربية إلى إدانة اعتراف إسرائيل بـ”أرض الصومال” الانفصالية، التزمت أبوظبي الصمت، ولم تخفِ ارتباطاتها الاقتصادية والعسكرية مع تلك المنطقة، متحدية بذلك الإجماع العربي الذي ترى فيه الرياض ضرورةً للحفاظ على التماسك.
رابعاً: إسرائيل وغزة.. اختبار حقيقي للانقسام الجيوسياسي
لم يظهر الانقسام بين البلدين بأكثر وضوحاً مما ظهر على الجبهة الإسرائيلية:
الرياض تمسكت بموقفها التاريخي، وأعلن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بكل وضوح، أن التطبيع مع إسرائيل مشروط بقيام دولة فلسطينية مستقلة، وذهب إلى حد وصف ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية”، مما منحه شعبيتها في “الشارع العربي” وجعله يتحدث بلغة القيادة الإقليمية التقليدية.
أبوظبي، في المقابل، لم تكتفِ بتطبيع العلاقات في زمن السلم، بل عمّقت أواصرها الدفاعية والاقتصادية مع تل أبيب وسط حرب الإبادة على غزة، وفي خضم التصعيد مع إيران، وكأنها تراهن على أن محوراً إسرائيلياً – إماراتياً قادراً على إعادة تشكيل المنطقة، خلافاً للمحور العربي التقليدي بقيادة السعودية ومصر وباكستان.
هذا التناقض الحاد يعكس اختيارين استراتيجيين متضاربين: إما التمسك بـ”الإجماع العربي” كعملة سياسية، أو خلق “واقع جديد” يضع المصالح الاقتصادية والأمنية فوق كل اعتبار.
خامساً: إيران… هل يصلح الخطر المشترك ما أفسده الخلاف؟
اعتقد كثيرون أن الهجمات الإيرانية على الخليج، سواء كانت بالصواريخ أو عبر الوكلاء، ستعيد لمّ الشمل السعودي الإماراتي تحت مظلة الخطر الفارسي. لكن الواقع أظهر عكس ذلك:
فالإمارات رأت في الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية على إيران فرصة لتعزيز تحالفها مع واشنطن وتل أبيب، وتأمين مصالحها من تحت المظلة الغربية.
أما السعودية، فراهنت على شبكة علاقات أوسع وأكثر تنوعاً، تضم فاعلين إقليميين أثقل وزناً (مصر، تركيا، باكستان)، مع احتفاظها بقنوات حوار مع طهران، وكأنها تريد ألا تضع كل بيضها في سلة واحدة.
النتيجة أن العدوان على إيران، بدلاً من أن يوحد الصف، كشف عن تباعد في الرؤى، وزاد من شراسة التنافس على من سيكون “الحارس” الفعلي لأمن الخليج.
خاتمة واستشراف: ماذا يعني هذا الصراع لمستقبل المنطقة؟
ما يحدث بين الرياض وأبوظبي ليس مجرد خلاف عابر بين جارين، بل هو إعادة تعريف كاملة لميزان القوى في شبه الجزيرة العربية. إنه صراع بين نموذجين:
النموذج السعودي: الذي يرتكز على الثقل الجغرافي والديني والسكاني، ويسعى للحفاظ على “الإجماع العربي”، ومؤسسات الدولة القائمة، ويتبنى سياسة بطيئة ولكنها محسوبة في التحركات الإقليمية.
النموذج الإماراتي: الذي يرتكز على المرونة، والتحالفات غير التقليدية، ودعم الفاعلين من غير الدول، والمغامرة الاقتصادية، والتحدي الصريح للأعراف الدبلوماسية الراسخة، وكأنها دولة شركة تسعى لتوسيع حصتها السوقية بأي ثمن.
إن كيفية إدارة هذا الصراع ستكون المحدد الأكبر لخريطة الشرق الأوسط لعقود قادمة:
على صعيد الطاقة، قد يؤدي الانقسام إلى فوضى في أسواق النفط، وتقويض لقدرة “أوبك+” على ضبط الأسعار، مما سينعكس مباشرة على جيوب المستهلكين في آسيا وأوروبا وأميركا.
على الصعيد السياسي، أصبحت المنطقة أمام حالة من “الاستقطاب المتعدد”، حيث لم تعد الدول مضطرة للاصطفاف خلف قطب واحد، بل يمكنها اللعب على الحبال المشتركة بين السعودية والإمارات، وإسرائيل وإيران، وواشنطن وبكين.
على صعيد الاستقرار، فإن استمرار هذا الصراع بالوكالة (في اليمن، السودان، القرن الأفريقي) يهدد بتحويل تلك البقاع إلى خرائب دائمة، يستفيد منها اللاعبون الدوليون الكبار على حساب شعوب المنطقة.
في النهاية، تبقى العبرة المستفادة من حكاية البريمي: حين تتصارع العائلات الحاكمة على النفوذ والثروة، يكون الثمن دائماً باهظاً. لكن الفارق اليوم أن الثمن لم يعد مجرد واحة، بل هو مستقبل أمة بأكملها، تتقاسمها رؤى متناقضة، وتجمعها حدود مرسومة على رمال متحركة.
- خارج سيطرة “أوبك”.. الإمارات تعلن “الاستقلال النفطي” وتتحدى حصار هرمز بمليارات الدولارات
- “معركة استعادة المقعد”.. كوري بوش في مواجهة “إيباك” مجدداً
- كأس العالم 2026 في أميركا.. “ظاهرة ثقافية” تكسر التوقعات وتثير جدلاً سياسياً
- شريان الحياة السري: كيف هزمت “أموال الأشباح” استراتيجية الضغط الأقصى الأمريكية؟