من تجنيد ضباط “الرايخ” إلى الإطاحة بحكومات الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.. رحلة استقصائية تكشف كيف تحولت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) إلى “دولة داخل الدولة” تدير الانقلابات والاغتيالات خارج نطاق القانون.
من خلف جدران قلعة “لانغلي” الحصينة في فرجينيا، على بُعد أميال قليلة من عاصمة القرار واشنطن، تدار واحدة من أكثر القصص الإنسانية والسياسية رعباً وغموضاً في التاريخ الحديث.
هنا، في مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، يعمل نحو 16 ألف موظف داخل صندوق أسود، تضخمت ميزانيته من بضعة آلاف إلى 28 مليار دولار، دون أن تلتزم الدولة بكشف هيكله التنظيمي أو حتى أسماء كبار قادته. بصفتي صحفياً راقب طويلاً كيف تُحاك خيوط اللعبة في الشرق الأوسط والعالم، أرى أن حكاية هذه الوكالة لا تُقرأ من تقاريرها الرسمية، بل من “خطيئتها الأولى” التي شكلت عقيدتها لعقود.
## إرث “الرايخ” في خدمة “العم سام”
تأسست الوكالة بقرار من الرئيس هاري ترومان بهدف واضح: التنبؤ بموعد ومكان الهجوم السوفيتي المحتمل. لكن، وكما يحدث مع كل وحش يُخلق في المختبرات السياسية، سُرعان ما انفلت العقال. تحولت الوكالة إلى الجهاز الوحيد المخول بالقيام بـ “العمليات السرية” في الخارج.
الخطيئة الاستخباراتية الأولى كانت أخلاقية بامتياز؛ ففي سعيها لفهم عقل الخصم، لم تجد واشنطن حرجاً في استقطاب شياطين النازية. “آلان دالاس” (Alan Dulles)، المحامي الماكر في وول ستريت والذي سيصبح لاحقاً أسطورة الوكالة، طار إلى سويسرا وعقد صفقات مع قادة نازيين. وظفت الوكالة مجرمي حرب أمثال “كلاوس باربي” وجنرالات استخبارات هتلر. كانت أمريكا مستعدة لدفع أي ثمن — حتى لو كان أخلاقياً — مقابل “أدمغتهم”.
## الضربة الأولى في الشرق الأوسط: الإطاحة بمصدق
الإيمان الأعمى بالقدرة على تشكيل العالم عبر حقائب المال والنفوذ أوصل الوكالة إلى منطقتنا.
في عام 1953، كان “دالاس” قد أصبح مديراً للوكالة. وفي طهران، اتخذ رئيس الوزراء المنتخب محمد مصدق قراراً سيادياً بتأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية. جن جنون البريطانيين، ولجأوا إلى واشنطن. لم تكن الذريعة التي بيعت للرئيس أيزنهاور هي “حماية النفط البريطاني”، بل كانت الفزاعة الجاهزة دوماً: “مصدق ضعيف، والشيوعيون سيبتلعون إيران”.
هكذا وُلدت “عملية أجاكس”. لم يكن انقلاباً عسكرياً دقيقاً، بل فوضى عارمة مُوّلت بالدولارات لإسقاط مصدق وإعادة الشاه إلى العرش. رأى “دالاس” في ذلك “طريقة رخيصة” لتكريس الهيمنة الأمريكية دون حروب مكلفة. نجحت العملية، لكن البذور المسمومة التي زُرعت أثمرت ثورة عاصفة بعد ربع قرن. وسرعان ما تكرر السيناريو في غواتيمالا (1954) لحماية مصالح شركة “يونايتد فروت” للموز، مما أسفر عن إبادة جماعية راح ضحيتها مئات الآلاف.
## متلازمة “صانع الملوك” وفخ خليج الخنازير
نشوة النجاح في طهران وغواتيمالا خلقت وهماً داخل “لانغلي” بأن الوكالة قادرة على تغيير أنظمة العالم كقطع الشطرنج. لكن هذه الغطرسة تحطمت على شواطئ كوبا.
في عام 1961، ورث الرئيس الشاب جون كينيدي خطة “خليج الخنازير” لغزو كوبا. أرسلت الوكالة 1500 من المنفيين الكوبيين في مهمة انتحارية، مراهنة على توريط كينيدي عسكرياً. لكنه رفض إرسال غطاء جوي، وتُركت القوة لتُباد.
بدلاً من المراجعة، أُصيبت الوكالة وكينيدي بهوس مرضي للتخلص من فيدل كاسترو. عبر “عملية مونغوس”، نفذت الوكالة محاولات اغتيال عبثية أقرب للكوميديا السوداء: من تسميم معجون أسنانه، إلى السيجار المتفجر، ومسحوق الحكة في لحيته.
## رصاصة في دالاس: السؤال الذي يطارد الأروقة
أدرك كينيدي أن الوكالة تحولت إلى “دولة داخل الدولة”. أقال “دالاس” متوعداً بـ “تفكيك الـ CIA وبعثرتها في الرياح”.
بعد هذا التهديد بفترة وجيزة، قُتل كينيدي برصاصة في دالاس. تروي كواليس تلك الأيام أن شقيقه، المدعي العام روبرت كينيدي، اقتحم مكتب مدير الوكالة الجديد، جون ماكون، وسأله مباشرة: “هل قتلتم أخي؟”. أنكر المدير، بالطبع.
لكن المفارقة التاريخية الأكثر قتامة هي أن الرئيس ليندون جونسون أوكل مهمة التحقيق في الاغتيال (ضمن لجنة وارن) إلى الرجل نفسه الذي أهانه كينيدي وعزله: “آلان دالاس”. عمل دالاس بكل طاقته لتوجيه التحقيق نحو استنتاج وحيد: لي هارفي أوزوالد عمل بمفرده. وتبقى حقيقة الاغتيال هي السر الأعظم والأكثر دموية في تاريخ أمريكا.
## من فيتنام إلى تشيلي: دماء على أيدي “التيفلون”
لم يتوقف قطار الدم. في فيتنام، زورت الوكالة حادثة “خليج تونكين” لجر أمريكا إلى حرب طاحنة. وتحت إدارة “ويليام كولبي” (William Colby)، أطلقت “عملية فينيكس” التي أسفرت عن اغتيال وتصفية 20 ألف مدني فيتنامي بدم بارد.
وفي الداخل الأمريكي، أدارت الوكالة “عملية الفوضى” (Chaos) للتجسس على المعارضين للحرب، منتهكة ميثاقها الذي يحظر عملها داخل أمريكا.
أما في تشيلي (1973)، وتحت إدارة “ريتشارد هيلمز” (Richard Helms) – الذي عُرف بلقب “مدير التيفلون” لأن الفضائح لا تلتصق به – موّلت الوكالة بأوامر من نيكسون وهنري كيسنجر انقلاباً دموياً ضد الرئيس الاشتراكي المنتخب سالفادور أليندي، لتنصيب الديكتاتور أوغستو بينوشيه، وتسليمه قوائم بأسماء المعارضين لفرق الموت.
## لحظة الحساب: هل يمكن تقنين الاغتيالات؟
بعد فضيحة “ووترغيت”، طفح كيل المشرعين الأمريكيين. شُكلت لجنتا “تشيرش” و”بايك” للتحقيق في جرائم الوكالة.
وقف “ريتشارد هيلمز” يكذب تحت القسم، مفضلاً الذهاب إلى قبره كـ “حارس الأسرار”، بينما اختار خليفته “ويليام كولبي” طريق الشفافية الصادمة، مستعرضاً أمام الشيوخ “مسدسات السهام المسمومة” ومعترفاً بفظائع الاغتيالات.
تحت ضغط الرأي العام، وقّع الرئيس جيرالد فورد في عام 1976 أمراً تنفيذياً يمنع موظفي الحكومة من المشاركة في الاغتيالات السياسية.
لكن، بالنسبة لأي مراقب خبير في شؤون السياسة الأمريكية، ولنا في الشرق الأوسط خصوصاً، يبدو هذا القرار مجرد حبر على ورق لتهدئة العاصفة. فالاستخبارات لا تُدار بالأخلاق، وإذا اقتضت المصلحة الأمريكية التخلص من زعيم أو تدمير دولة، فإن الأوامر ستصدر مجدداً.. ففي عُرف “لانغلي”، الاغتيال ليس جريمة، بل مجرد “أداة حكم”.