التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة تتجاوز مفهوم الردع التقليدي، لتكشف عن ملامح “خطة حرب” متكاملة تُصاغ خلف الأبواب المغلقة في واشنطن وتل أبيب.
إليك إعادة الصياغة والتحليل السياسي المعمق للمشهد:
طبول الحرب تقرع: واشنطن تجهز الأجواء لـ “زلزال عسكري” فوق إيران
في مؤشر ميداني بالغ الخطورة على قرب اتساع رقعة الصراع، كشف ثلاثة مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أبلغت تل أبيب بعزمها إرسال عشرات طائرات التزود بالوقود العسكرية الإضافية إلى إسرائيل.
هذا التحرك لا يمكن تفسيره إلا في سياق واحد: التجهيز لتمكين المقاتلات والمخترقات الجوية من تنفيذ غارات بعيدة المدى، ومكثفة، وذات كلفة تدميرية عالية داخل العمق الإيراني.
بنك الأهداف: ما وراء ضربات مضيق هرمز
الرئيس ترامب، الذي عُرضت عليه خطط عسكرية جديدة في اجتماع “غرفة العمليات” (Situation Room)، يبدو أنه يضيق ذرعاً بسياسة الضربات الموضعية المحدودة الحالية حول مضيق هرمز. الخيارات الموضوعة على طاولته الآن تشمل “قصفاً صاعقاً وموسعاً” يستهدف:
عصب الاقتصاد: قصف البنية التحتية الحيوية ومحطات الطاقة الإيرانية.
البرنامج النووي: توجيه ضربات نوعية للمنشآت النووية بهدف “دفن” اليورانيوم المخصب تحت مئات الأمتار من الأنقاض.
المنشآت السرية: استهداف موقع “جبل المعلن” المحصن تحت الأرض، والذي تشتبه الاستخبارات في أنه منشأة نووية أو عسكرية قيد الإنشاء.
التحليل السياسي: الهدف النهائي لترامب ليس تدمير النظام، بل إحداث “صدمة وترويع” كافيين لإجبار طهران على فتح مضيق هرمز بلا شروط، والجلوس إلى طاولة المفاوضات مرغمةً للقبول بمطالب واشنطن النووية المتشددة.
حرب استنزاف متبادلة: معركة الجسور والقواعد
ميدانياً، تتسارع الأحداث بشكل متدفق؛ فبينما يواصل الجيش الأمريكي لليوم الخامس على التوالي دك أهداف إيرانية على الساحل الجنوبي ومضيق هرمز، تركزت الضربات الأخيرة على قصف سبعة جسور استراتيجية حول مدينة بندر عباس العصب النابض لعمليات الحرس الثوري الإيراني. قطع هذه الجسور يعني عملياً شل حركة الإمدادات، والتعزيزات، والذخيرة المتجهة إلى نقاط خنق الملاحة الدولية.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي؛ حيث صعدت من ضرباتها الصاروخية وبالمسيرات المستهدفة للقواعد الأمريكية في طوق جيو-سياسي يشمل (الأردن، وقطر، والبحرين، والعراق، والكويت).
ملاحظة المحرر التكتيكية: لعل اللافت للانتباه هو إعلان الحرس الثوري قصف قاعدة أمريكية في سوريا كانت القوات الأمريكية قد أخلتها بالفعل قبل أشهر، وهو ما يشير إلى رغبة إيرانية في تحقيق “انتصار بروباغندا” إعلامي أمام الجبهة الداخلية، مع تجنب إحداث خسائر بشرية أمريكية قد تعجل بالرد المزلزل.
معضلة مطار بن غوريون: الأمن العسكري يصطدم بصيف نتنياهو الانتخابي
على الأرض في إسرائيل، كشفت أزمة طائرات التزود بالوقود (التي يتواجد منها حالياً نحو 30 طائرة في بن غوريون و30 أخرى في مطار رامون الجنوبي) عن تفاعل معقد بين الحسابات العسكرية والسياسة الداخلية:
1. الضرورة العسكرية الأمريكية:
يفضل البنتاغون تشغيل هذه الطائرات العملاقة من مطار “بن غوريون” الدولي حصراً؛ نظراً لتمتعه بأنظمة حماية متطورة وبنية تحتية تجعله أكثر أماناً وأقل عرضة للرشقات الصاروخية الإيرانية مقارنة بالقواعد الجوية الأخرى في المنطقة.
2. المأزق السياسي لنتنياهو:
إرسال عشرات الطائرات الأمريكية الإضافية يعني شل حركة مطار بن غوريون بالكامل. هذا الأمر كان مقبولاً في ذروة الحرب عندما كان المجال الجوي مغلقاً، لكنه الآن ـ وقبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات الإسرائيلية ـ يهدد بإلغاء رحلات الإجازات الصيفية لآلاف الإسرائيليين.
هذا الصدام دفع وزيرة النقل ميري ريغيف (الحليفة اللصيقة لنتنياهو) للضغط بشدة لنقل الطائرات الأمريكية أو تقليصها خوفاً من غضب الناخبين، وسط مقاومة شرسة من وزارة الدفاع والجيش الإسرائيلي اللذين يضعان الاستعداد للحرب فوق أي اعتبار سياسي حزبي.
ما يجب مراقبته في الساعات القادمة
إيران، وحتى اللحظة، تبدي تردداً واضحاً في توجيه ضربة مباشرة ومفتوحة إلى داخل إسرائيل، إدراكاً منها أن الرد سيكون مكلفاً بشكل غير مسبوق، وهو ما عاد وأكده بنيامين نتنياهو بنبرة حاسمة: “لن تكون هناك إعادة عرض للسيناريوهات السابقة.. سيكون حدثاً مختلفاً وأكثر قوة بكثير”.
الخلاصة: طلبت إدارة ترامب رسمياً من الحكومة الإسرائيلية استيعاب “سرب طائرات الوقود الجديد”. والكلمة الأخيرة الآن بيد نتنياهو؛ فإما أن يضحي برضا مستوطنيه في موسم العطلات من أجل توفير المظلة اللوجستية لضربة ترامب الكبرى لإيران، أو يحاول الموازنة على حبل مشدود بين ضغوط واشنطن الحربية وحساباته البقاء في السلطة. الأيام المقبلة حبلى بالقرارات المصيرية.