بينما كان العالم يراقب التنافس الاستراتيجي بين السعودية والإمارات من نافذة السياسة الكبرى، يبدو أن “الجبهة الخلفية” لهذا الصراع قد انتقلت إلى أروقة البنوك المركزية. في تطور مثير للقلق، تشير شهادات حصرية حصلت عليها “فاينانشال تايمز” إلى وجود عراقيل بيروقراطية و”بلوكات” غامضة تعطل التحويلات المالية من الرياض إلى دبي. هذا “الحصار المالي الصامت” ليس مجرد خلل تقني؛ إنه نذير بأن الشراكة الاقتصادية التي صمدت لعقود بين القوتين العربيتين الأكبر، بدأت تتشقق تحت وطأة خلافات تتجاوز حدود الجغرافيا لتصل إلى عمق المحافظ الاستثمارية.
ثقوب في “جدار الثقة”
لم يعد الأمر يقتصر على خلافات حول حصص إنتاج النفط أو تحالفات اليمن، بل امتد إلى “شريان الحياة” للشركات العاملة في دبي، والتي تعتمد على السوق السعودية. يصف مدير تنفيذي في شركة رعاية صحية بدبي المشهد بأنه “لعبة انتظار”: أموال تُحتجز لأسبوع، ثم تُعاد دون تفسير، وأحياناً بعبارات مقتضبة تحيل الأمر إلى “قرارات مركزية” لا يجرؤ أحد على كشف تفاصيلها.
وبينما تنفي السلطات النقدية في المملكة وجود استهداف لدولة بعينها، مؤكدة التزامها بأطر تنظيمية قائمة على المخاطر، يرى المراقبون أن الصدفة قد انتفت؛ فقد اضطر رجال أعمال إلى تحويل أموالهم عبر “وسطاء” في البحرين أو استخدام منصات دفع دولية مكلفة كـ “بايبال” لتجاوز ما يشبه “الجدار المالي” غير المرئي بين الرياض ودبي.
عندما تصبح “الاقتصاديات المتكاملة” رهينة للسياسة
منذ سنوات، كانت دبي تمثل القاعدة اللوجستية والخدمية للنمو الاقتصادي السعودي. لكن، منذ الأزمة التي اندلعت في ديسمبر الماضي، حين اتهمت الرياض أبوظبي بدعم فصائل يمنية مناوئة لمصالح المملكة، تبدلت قواعد اللعبة. ورغم محاولات التهدئة التي فرضتها الضرورات الجيوسياسية -خاصة بعد تصاعد التوتر مع إيران- إلا أن خروج الإمارات المفاجئ من “أوبك” في أبريل كان بمثابة “القشة” التي كشفت عن غياب الانسجام الاستراتيجي.
“إطلاق النار على القدم”
يقول أحد الموردين المتضررين بمرارة: “إنهم (السعوديون) يطلقون النار على أقدامهم بهذه الإجراءات”، في إشارة إلى أن التعطيل المالي لا يستهدف الشركات الإماراتية فحسب، بل يضرب سلاسل التوريد التي تحتاجها الشركات السعودية لخططها التنموية الضخمة. إن التلاعب بتدفق الأموال في اقتصاديات مترابطة بشكل وثيق كهذه هو “لعبة خطرة” قد تؤدي إلى تآكل الثقة لدى المستثمر الدولي الذي كان يرى في هذا التحالف “الملاذ الآمن” في المنطقة.
ما وراء “الأعذار البيروقراطية”
إن النفي الرسمي الإماراتي لوجود شكاوى يعكس ربما رغبة في احتواء الأزمة وتجنب التصعيد العلني، لكن الواقع على الأرض يشي بقصة مختلفة تماماً. إنها حرب “القوة الناعمة” بالوسائل المالية؛ حيث تتحول الحسابات البنكية من أداة للتبادل التجاري إلى أداة لفرض الضغوط.
في “ذا أتلانتيك”، ندرك أن استقرار الخليج كان دائماً رهينة لـ “التوازن بين التنافس والتعاون”. واليوم، يبدو أن ميزان هذا التوازن قد اختل. فإذا استمرت هذه القيود، فقد لا نكون أمام مجرد تأخير في التحويلات، بل أمام إعادة هيكلة جذرية للخريطة الاقتصادية العربية، حيث تصبح السياسة “سقفاً” لا يستطيع الاقتصاد تجاوزه.
في عالم تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الطموحات السياسية الصفرية، هل سنرى “دبلوماسية التحويلات” تتحول إلى القطيعة الكاملة، أم أن المصالح البراغماتية ستفرض في نهاية المطاف فك هذا الحصار المالي غير المعلن؟