تعيش كولومبيا لحظة مفصلية في تاريخها الحديث، حيث تقف البلاد على أعتاب اختيار استراتيجي حاد بين نهجين متناقضين تماماً لإدارة أزمة أمنية هي الأعنف منذ عقد. فبعد جولة أولى من الانتخابات شهدت اضطرابات دامية وتصاعداً في عنف الجماعات المسلحة، يتجه الكولومبيون إلى صناديق الاقتراع في 21 يونيو للاختيار بين “حرب شاملة” يقودها “أبيلاردو دي لا إسبيريلا”، و”سلام شامل” يتبناه “إيفان سيبيدا”.
1. كولومبيا في مهب العنف: أرقام تروي المأساة
لم تكن الهجمات التي ضربت مقاطعة “كاكا” في نهاية أبريل مجرد حادث عابر؛ بل كانت تتويجاً لموجة من 26 هجوماً في عطلة نهاية أسبوع واحدة، شملت استخدام الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة. ومع تدهور الوضع الأمني، حذرت الصليب الأحمر من أن كولومبيا تمر بأسوأ أزمة إنسانية منذ عشر سنوات، في ظل فشل سياسات الحكومة الحالية (بقيادة غوستافو بيترو) في كبح جماح الجماعات المسلحة التي تضاعف عدد أفرادها من 6,500 في 2017 إلى أكثر من 25,000 بحلول عام 2025.
2. “النمر”.. رهان اليمين على النموذج السلفادوري
برز أبيلاردو دي لا إسبيريلا، الملقب بـ “النمر”، كزعيم لهذا التوجه. الرجل الذي يتبنى “لوك” مشابه للرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، يعد الكولومبيين بحل سحري مستوحى من تجربة “سيسوت” (Cecot).
خطة “إسبيريلا”:
بناء 10 سجون ضخمة تحت الأرض على طراز سجون بوكيلي.
نقل صلاحيات الشرطة إلى الجيش ونشر القوات المسلحة في المدن.
استئناف الغارات الجوية على معسكرات “ناركوترافيك” (تجار المخدرات) والرش الجوي للمحاصيل غير القانونية.
إلغاء أي مفاوضات مع الجماعات المسلحة، واعتبارهم “أهدافاً عسكرية” يجب القضاء عليهم.
هل ينجح النموذج؟
يشير المحللون إلى فجوة كبيرة بين الواقع السلفادوري والكولومبي. فالسلفادور دولة صغيرة (21 ألف كم مربع) مع جماعات إجرامية غير منظمة دولياً، بينما كولومبيا (1.1 مليون كم مربع) تمتلك تضاريس وعرة وجماعات مسلحة شديدة التنوع (منشقو “فارك”، جيش التحرير الوطني ELN، وعشيرة الخليج) تعتمد على تجارة المخدرات والتعدين غير القانوني، وهي اقتصاديات ضخمة تصعب عرقلتها بمجرد الاعتقالات الجماعية. تجربة الإكوادور الأخيرة مع “نموذج بوكيلي” أظهرت أن قمع القادة دون معالجة هيكلية للتمويل يؤدي غالباً إلى تفتيت العصابات وزيادة فوضى الاقتتال.
3. “إيفان سيبيدا”.. هل ينهي “السلام الشامل” أسطورة الفشل؟
على الجانب الآخر، يمثل إيفان سيبيدا، حليف الرئيس بيترو، استمراراً لنهج “السلام الشامل”. سيبيدا، الذي فقد والده ضحية للعنف السياسي، يرفض فكرة الحل العسكري وحده.
رؤية سيبيدا:
معالجة الجذور الاقتصادية للعنف عبر بناء دولة الرفاه وتوفير فرص تعليمية وشبابية.
إعادة تقييم الحوار مع الجماعات المسلحة بدلاً من القطيعة الكاملة.
الاعتراف بأن “السلام الشامل” فشل في عهد بيترو بسبب غياب البروتوكولات والرقابة الصارمة، والوعد بتصحيح هذه الثغرات.
لماذا يواجه الانتقاد؟
ينظر قطاع واسع من الكولومبيين إلى هذا النهج كـ “إضاعة للوقت”، حيث شهدت السنوات الأربع الماضية نمواً في قوة الجماعات المسلحة واستمراراً لمعدلات القتل المرتفعة، مما جعل “السلام الشامل” مرادفاً في عقول الكثيرين لـ “الإفلات من العقاب”.
خاتمة: خيار الضرورة أم خيار الإيديولوجيا؟
يجد الناخب الكولومبي نفسه أمام خيارين مرين:
طريق “إسبيريلا”: الذي يعد بأمن سريع وقاسٍ، لكنه يواجه مخاطر الانزلاق إلى صدام طويل الأمد وتفتيت العصابات إلى كيانات أكثر عنفاً وأصعب تعقباً.
طريق “سيبيدا”: الذي يراهن على حلول بنيوية طويلة الأمد، لكنه يواجه إرثاً ثقيلاً من الفشل في إدارة ملف الأمن خلال الفترة الماضية.
بينما يميل الناخبون في المدن الكبرى (مراكز الثقل الأمني) نحو خيار “النمر” إسبيريلا، تظل المناطق الريفية والساحلية مشدودة لوعود التنمية والحلول الاقتصادية. ويبقى السؤال: هل تملك كولومبيا رفاهية التجربة والخطأ، أم أن البلاد مقبلة على تحول جذري يعيد تعريف مفهوم “الدولة الأمنية” في أمريكا اللاتينية؟
ملاحظة: جولة الإعادة الحاسمة ستجرى في 21 يونيو، وهي ستحدد ما إذا كانت كولومبيا ستتبع النموذج السلفادوري بكل تداعياته أم ستحاول استعادة مشروع “السلام الشامل” بآليات جديدة.