بينما تغرق السودان في وحل حربٍ لم تُبقِ ولم تذر، وتتصاعد التحذيرات الدولية من “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، تبرز خيوط استقصائية جديدة تزيح الستار عن أطراف دولية لا تكتفي بمراقبة المشهد، بل تعمل بجدٍ على “صب الزيت على النار”.
تحت شعار “البحث عن حل”، تدار في أروقة السياسة الدولية مفاوضات متعثرة لإنهاء الحرب في السودان. لكن في المقابل، بعيداً عن غرف الاجتماعات المكيفة، هناك واقعٌ آخر على الأرض؛ حيث تحولت الحدود الليبية السودانية إلى شريان حيوي لا يضخ المياه أو الغذاء، بل يضخ “البارود والوقود” لصالح قوات الدعم السريع، في عملية استراتيجية كبرى تورطت فيها قوى إقليمية وازنة.
من بنغازي إلى الخرطوم: شبكة “الوقود والبارود
تكشف تحقيقات استقصائية استمرت لأكثر من عام، شملت رصداً ميدانياً وتتبعاً بالأقمار الصناعية، عن وجود شبكة تهريب معقدة تتخذ من شرق ليبيا وجنوبها قاعدة خلفية لعملياتها. ففي الوقت الذي يدعي فيه “الجيش الوطني الليبي” بقيادة خليفة حفتر أنه يحارب التهريب على حدوده، تؤكد الأدلة أن معسكرات كاملة تحت إشراف هذا الجيش تحولت إلى بؤر تدريب لقوات الدعم السريع السودانية.
المعلومات الموثقة تشير إلى وجود 4 معسكرات تدريب سرية، لعل أبرزها “معسكر 17″ خارج مدينة بنغازي. هذا الموقع الذي ظهر في صور أقمار صناعية حديثة، يُستخدم لتدريب مقاتلين سودانيين على التعامل مع الآليات العسكرية الثقيلة. والأكثر إثارة للريبة هو تواجد مرتزقة أجانب، بينهم خبراء عسكريون كولومبيون، يُنقلون جواً عبر مسارات تديرها شركات مرتبطة بجهات نافذة في دولة الإمارات، لضمان وصول الدعم النوعي لميدان المعركة في السودان.
دبلوماسية الإنكار.. والأسلحة التي تفضح أصحابه
عندما تضع الحقائق أمام المسؤولين المعنيين، تتبخر الوعود بـ”الحياد”. الخارجية الإماراتية تكرر في بياناتها الرسمية أنها “لا تدعم أي طرف”، وتشدد على ضرورة “الحل السلمي”. لكن تقارير أممية ومطابقات فنية لقطع سلاح وذخائر – عُثر عليها في ساحات القتال بالسودان – تثبت أنها قُبيل وصولها إلى هناك كانت مملوكة لشركات إماراتية.
وعندما سُئل متحدث باسم قوات الدعم السريع عن هذا الدعم الخارجي، أجاب بلغةٍ تنم عن “اقتصاد الحرب”: “السودان صار سوقاً مفتوحاً للسلاح”. محاولةٌ للالتفاف على حقيقة أن هذا “السوق” لا يعمل بصدفة القدر، بل عبر خطوط إمداد عابرة للحدود، محميةٍ بغطاءٍ أمني وسياسي في ليبيا، وممولةٍ بمالٍ إقليمي لا يعرف للحياد طريقاً.
الوجه الإنساني.. ضريبة الصمت
خلف هذه الحسابات الاستراتيجية، ثمة أرواحٌ تُزهق. في إحدى زوايا المعاناة، تجلس امرأةٌ فرت مع أطفالها من جحيم “معسكر زمزم” في دارفور، لتجد نفسها في رحلة تيهٍ جديدة. قصتها ليست استثناءً، بل هي انعكاس لـ 400 ألف قتيل سقطوا في حربٍ لا يريد أحدٌ أن ينهيها.
السؤال الذي يطرحه الشارع السوداني اليوم، والذي يغيب عن بيانات الإدانة الدولية، هو: إلى متى سيبقى المجتمع الدولي – وعلى رأسه واشنطن – يكتفي بدور “المراقب” بينما حلفاؤه يغذون أطراف الصراع بكل ما يلزم لإدامة النزاع؟
خاتمة: هل يُباع السلام في مزادات الحرب؟
إن الحرب السودانية اليوم هي “حرب بالوكالة” بامتياز، تُدار فيها المعارك بالسلاح المستورد، وتُدفع فيها الفواتير من دماء المدنيين. وما كشفته هذه التحقيقات ليس سوى غيضٍ من فيض؛ فالطرق التي تُنقل عبرها الآليات المدرعة من بنغازي إلى الخرطوم ليست مجرد مسارات صحراوية، بل هي دليلٌ دامغ على أن “القرار السيادي” في أجزاء واسعة من المنطقة صار رهينة لمصالح إقليمية، لا ترى في السودان وطناً، بل ترى فيه رقعةً للصراع وميداناً لاستعراض القوة.
**السودان، الذي ينتظر الخلاص، لا يحتاج إلى المزيد من تقارير الإدانة، بل يحتاج إلى كسر شوكة هذه الشبكات التي اقتاتت على أوجاعه، وحولت الجوع والتشرد إلى وقودٍ لصفقاتٍ عابرة للحدود.**