Table of Contents
في قصة تحبس الأنفاس، نكشف الخفايا الاستخباراتية والتقنية وراء “خطة الأزرار” الإسرائيلية. كيف خدع الموساد حزب الله لسنوات، وأسس شركات وهمية في أوروبا، ليحول أجهزة “البيجر” إلى قنابل حصدت آلاف الأرواح في لحظة واحدة؟
مقدمة: حين توقف الزمن في لبنان
في السابع عشر من سبتمبر/أيلول 2024، وتحديداً عند الساعة الثالثة والنصف عصراً، كان الخريف يطرق أبواب بيروت بهدوء. في المستشفيات، كانت ممرضات يتابعن نوبات عملهن، وفي الشوارع والمدارس والمقاهي، كان آلاف اللبنانيين يمارسون حياتهم المعتادة.
فجأة، رنّت أجهزة النداء الآلي (البيجر) في وقت واحد وبنغمة غير مألوفة. ظهرت على الشاشات رسالة مشفرة تتطلب الضغط على زرين معاً لفتحها. كان الهدف من هذه البرمجة الخبيثة إجبار حامل الجهاز على تقريبه من وجهه وإمساكه بكلتا يديه.
سبع ثوانٍ فقط.. كانت هذا هو متوسط الوقت الذي استغرقه الضحايا لسحب الأجهزة والنظر إلى الشاشات، قبل أن تدوي انفجارات متزامنة في الضاحية الجنوبية لبيروت، وسهل البقاع، وجنوب لبنان.
أسفرت الدقائق التالية عن مشهد مروع: أكثر من 3500 ضحية بين قتيل وجريح. وفي اليوم التالي، عند الخامسة عصراً، اكتمل الكابوس بموجة ثانية استهدفت أجهزة اللاسلكي (Walkie-Talkies). لم تكن هذه مجرد عملية تخريبية، بل كانت ذروة حبكة استخباراتية هوليودية استغرق نسجها 18 عاماً، وعُرفت داخل أروقة المخابرات الإسرائيلية باسم “خطة الأزرار”.
الفصل الأول: من رماد 2006.. ولادة خطة الثأر البارد
لتبدأ القصة، علينا أن نعود بالزمن إلى عام 2006. خرجت إسرائيل من حرب الـ 34 يوماً مع “حزب الله” بخسائر فادحة وعمى استخباراتي قاسٍ. اجتمعت “لجنة فينوغراد” للتحقيق في الإخفاق، وخلصت إلى نتيجة واحدة: لا بد من اختراق البنية التحتية الصلبة للحزب، وتحديداً شبكة اتصالاته الآمنة.
تولت “الوحدة 8200” والموساد المهمة. أدرك الإسرائيليون أن اختراق الهواتف الذكية لم يعد كافياً، فالحزب كان يعي جيداً خطرها. بدأت المخابرات الإسرائيلية حرباً نفسية رقمية؛ جيوش من الحسابات الوهمية نشرت تقارير ومقالات تحذر من قدرة إسرائيل الخارقة على اختراق الهواتف الحديثة وتحديد المواقع.
ابتلع قادة الحزب الطعم. وبدافع الهاجس الأمني، أصدروا أوامر صارمة بالعودة إلى تكنولوجيا التسعينيات البدائية: أجهزة “البيجر”. كانت الخطة الإسرائيلية بسيطة في عبقريتها: السيطرة على سلسلة التوريد قبل أن يفكر الخصم في الشراء.
الفصل الثاني: شبكة العناكب.. شركات وهمية عابرة للقارات
في عام 2022، وبينما كان الحزب يبحث عن مورد آمن، كان الموساد قد جهّز المسرح في أوروبا وآسيا. لم يخترق الإسرائيليون شحنة جاهزة، بل صنعوها من الصفر.
استخدم الموساد وسيطة سابقة تُدعى “تريزا واو” وشخصاً غامضاً يُدعى “توم” لإقناع شركة “جولد أبولو” التايوانية العريقة بمنح ترخيص لتصنيع طراز جديد (AR-924) لصالح شركة مجرية ناشئة. هنا بدأت تظهر الواجهات الوهمية:
شركة “BAC Consulting” (بودابست، المجر): شركة وهمية أُسست عام 2022، تديرها موظفة واحدة فقط تُدعى “كريستيانا بارسوني”. ورغم عدم امتلاكها أي مصانع، أدرجت الشركة في سجلاتها نشاطات غريبة كاستخراج النفط وزراعة الفاكهة الاستوائية! هذه الشقة في الطابق الثامن ببودابست كانت الغطاء التصنيعي، وقد تم تصفيتها قانونياً بعد يومين فقط من التفجيرات في لبنان.
شركة “Norta Global” (صوفيا، بلغاريا): تأسست في نفس التوقيت لتعمل كغطاء مالي. حولت هذه الشركة مبلغ 1.6 مليون يورو لتمويل الصفقة وإبعاد أي شبهة تمويل إسرائيلية. مديرها النرويجي-الهندي “رينسون خوسي” تبخر تماماً واختفى أثره يوم وقوع الانفجارات.
روّج الموساد للجهاز الجديد عبر حملة دعائية زائفة على الإنترنت، متغنين ببطارية خارقة قادرة على العمل لـ 85 يوماً. هذه البطارية، التي حملت الكود (LI-BT783)، لم يكن لها أي وجود حقيقي في الأسواق العالمية. لقد كانت، ببساطة، القنبلة.
الفصل الثالث: هندسة الموت.. كيف خدعوا أجهزة كشف المتفجرات؟
كيف تمر آلاف الأجهزة المفخخة عبر المطارات والجمارك دون أن تطلق صافرة إنذار واحدة؟
هنا تجلت الحرفية التقنية القاتلة للموساد. داخل بطارية الجهاز، صمم المهندسون شطيرة ثلاثية الطبقات. في المنتصف، وضعوا 6 غرامات فقط من مادة (PETN) البلاستيكية شديدة الانفجار.
لإخفاء العبوة عن أجهزة الأشعة السينية (X-Ray)، تخلى المهندسون عن الصاعق المعدني التقليدي الذي تفضحه أجهزة التفتيش، واستبدلوه بشريط دقيق وشديد الاشتعال يملأ الفراغ بين خلايا البطارية. عندما يتم إدخال كود الرسالة الوهمية، تتولد شرارة صغيرة تشعل الشريط، فتنفجر مادة الـ PETN.
في الموجة الثانية (أجهزة اللاسلكي Icom IC-V82)، لم يكن الأمر مجرد تفخيخ؛ بل استنسخ الموساد هياكل الأجهزة اليابانية بالكامل في منشآت إسرائيلية سرية بعد أن توقف إنتاج الأصلية لسنوات، وزرعوا الدوائر المتفجرة داخلها.
الفصل الرابع: تساقط أحجار الدومينو.. واغتيال نصر الله
في خريف 2023، بدأت الشحنات القاتلة تتدفق إلى بيروت. بحلول سبتمبر 2024، كان 5000 جهاز يجلس في جيوب مقاتلي الحزب وقادته وكوادره المدنية.
كان هناك فني اتصالات في الحزب قد بدأ يرتاب في الأجهزة وأرسل بعضها للفحص في طهران. وقبل أن ينكشف السر، سارعت إسرائيل وضغطت “الزر”.
لم تكن التفجيرات سوى ضربة افتتاحية لشل القيادة والسيطرة. في 20 سبتمبر، اغتيل القيادي إبراهيم عقيل ومعه قادة الصف الأول من قوة الرضوان. وتُوّجت العملية في 27 سبتمبر 2024، حين ألقت 14 طائرة حربية إسرائيلية 83 قنبلة (بإجمالي 80 طناً من المتفجرات) على مقر تحت الأرض بعمق 40 قدماً في الضاحية الجنوبية، ليموت الأمين العام “حسن نصر الله” اختناقاً تحت الأنقاض.
وحتى عندما حاول الحزب فتح تحقيق داخلي لمعرفة كيف تم اختراق المشتريات، اغتالت إسرائيل قائد التحقيق “نبيل قاووق” في اليوم التالي مباشرة (28 سبتمبر)، لتدفن معه أسرار الاختراق.
الفصل الخامس: جريمة حرب.. وصمت دولي مريب
لم تقتصر فداحة “خطة الأزرار” على الجانب الأمني، بل ضربت القانون الدولي في مقتل. وفقاً للبروتوكول الثاني المعدل لاتفاقية الأسلحة التقليدية، يُعتبر تحويل الأدوات المدنية (الشراك الخداعية) التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية إلى قنابل متفجرة، انتهاكاً صارخاً وجريمة حرب.
أسفرت التفجيرات عن بتر أطراف، وفقدان العيون، ومقتل أطفال ونساء في الأماكن العامة، مما ينسف تماماً مبدأ “التمييز” بين المدنيين والمقاتلين. وتتوافر في الحادثة شروط “الجرائم ضد الإنسانية” المنصوص عليها في المادة 7 من نظام روما. ورغم ذلك، لم تتحرك الدولة اللبنانية لتفعيل صلاحيات المحكمة الجنائية الدولية للنظر في هذه السابقة الخطيرة.
إن مجزرة البيجر لم تكن مجرد تصفية حسابات بين إسرائيل وحزب الله، بل كانت إعلاناً مرعباً عن دخول البشرية عصر “حروب الجيل الخامس”، حيث يمكن لأي جهاز إلكتروني تحمله في جيبك أن يتحول، في لحظة، إلى سلاح فتاك ينهي حياتك.
انتهت “خطة الأزرار” بتغيير وجه الشرق الأوسط وكسر شوكة هيكل تنظيمي ضخم، لكنها تركت العالم كله أمام حقيقة مرعبة: في حروب المستقبل، لا شيء بريء، حتى تلك الشاشة الصغيرة التي تقرأ منها هذا المقال.