في عام 2016، وعد محمد بن سلمان بتحويل المملكة إلى “مركز عالمي” يتجاوز حدود الجغرافيا والاعتماد على النفط. وبعد عقد من الزمن، تقف المشاريع العملاقة كشواهد على تحديات الواقع التي لا تُحل بالخرسانة وحدها.
في قلب الصحراء السعودية، كان من المفترض أن يرتفع خط مستقيم من المرايا بطول 170 كيلومتراً، يضم تسعة ملايين نسمة، ويتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي. اليوم، تحول هذا الطموح، المعروف بـ “ذا لاين”، من أيقونة للمستقبل إلى سؤال كبير حول الجدوى الاقتصادية. وبينما كانت التوقعات تشير إلى مدينة تتحدى قوانين الجاذبية، يجد المهندسون والممولون أنفسهم أمام واقعٍ أكثر تواضعاً بكثير: 2.4 كيلومتر فقط هي ما تم إنجازه، مع تقلص حاد في التوقعات السكانية.
مفارقة “الفطام” النفطي
تكمن المعضلة السعودية في مفارقة هيكلية؛ فخطة “رؤية 2030” التي أُطلقت لتقليل الاعتماد على النفط، تجد نفسها مرتهنة بالكامل لتقلبات أسعار “الذهب الأسود”. صندوق الاستثمارات العامة، المحرك الرئيسي لهذه المشاريع، يستمد حيويته المالية من توزيعات أرباح “أرامكو”. وعليه، فإن كل برميل نفط لا يُباع، أو يهبط سعره، هو ضربة مباشرة لتمويل ناطحات السحاب في نيوم. إنها استراتيجية تعتمد على “السلعة التي تُحاول التخلص منها” لتمويل “الاقتصاد الذي تحلم بالوصول إليه”.
المؤسسات مقابل الخرسانة
إذا نظرنا إلى الجار الإماراتي، وتحديداً دبي، سنجد درساً في “الهندسة المؤسساتية”. لم تبدأ دبي رحلتها نحو التنوع الاقتصادي ببناء أطول برج في العالم فحسب، بل بدأت بإنشاء “مناطق حرة” تمتلك أنظمتها القانونية المستقلة، وقضاتها من الغرب، ولغتها الإنجليزية، وقواعدها التي تمنح المستثمر اليقين.
في الرياض، كان الرهان مختلفاً. لقد اختار صناع القرار “المشاريع الجذابة” (Giga-projects) لأنها تمنح رؤية بصرية فورية للتحول. ولكن في عالم المال، لا تُبنى الثقة بالمرايا العملاقة، بل باستقلالية القضاء وقابلية التنبؤ بالقواعد. إن بناء ناطحة سحاب أسهل بكثير من بناء نظام قانوني يحظى بثقة رؤوس الأموال العالمية.
ثمن الطموح الجامح
إن الإفراط في التفاؤل الحسابي – أو ما يسميه البعض “المحاسبة الإبداعية” – جعل من الصعب الاعتراف بالأخطاء مبكراً. التكاليف التي قُدرت بناءً على خيال استثماري واسع اصطدمت بضعف تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر. ومع توترات الخليج الإقليمية، التي جمدت رؤوس الأموال، وجد المخططون أنفسهم مضطرين لإعادة ترتيب الأوراق.
منعطف الذكاء الاصطناعي: هل هو مخرج؟
التحول الأخير نحو شركة “هوماين” (Humain) والتركيز على مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي هو اعتراف ضمني بأن نموذج “المدن الخارقة” قد استنفد زخمه. السعودية تملك بالفعل ميزة تنافسية نادرة: طاقة رخيصة بوفرة. مراكز البيانات تستهلك طاقة هائلة، وهذا المنطق الاقتصادي أكثر تماسكاً من منطق “المدن الخطية” الخيالية.
ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل ستكون هذه المراكز مجرد “بنية تحتية” أخرى، أم أنها ستخلق “نظاماً بيئياً” (Ecosystem) يضم الشركات الناشئة، والقوانين المرنة، والمواهب الدولية؟
المحصلة
إن السعودية اليوم في مرحلة “النضج القسري”. فالمشاريع العملاقة التي كانت توصف بـ “الخيال العلمي” تتقلص لتصبح أكثر واقعية، إن لم تكن أكثر تواضعاً. إن التحدي الذي يواجه محمد بن سلمان لم يعد بناء “نيوم”، بل بناء “المنظومة” التي تجعل هذه المشاريع قابلة للنمو دون الحاجة إلى ضخ المزيد من أموال النفط.
لقد أثبتت دبي أن المدن تُبنى بالقواعد، بينما أثبتت الرياض أن المدن تُبنى بالرؤية. والآن، يتعين على السعودية أن تدمج بينهما، أو أن تقبل بأن بعض الأحلام، مهما كانت براقة، لا يمكنها البقاء طويلاً في صحراء الواقع.
هل تعتقد أن السعودية ستتمكن من التخلي عن “نموذج المشاريع الضخمة” لصالح “نموذج الإصلاح المؤسساتي” الصامت، أم أن الهيكل السياسي السعودي سيظل يفضل البريق العمراني على تعقيدات الإصلاح القانوني؟