بينما يسعى البيت الأبيض لتقديم دونالد ترامب في صورة “رئيس السلام”، ترسم منشوراته على منصة “تروث سوشيال” ملامح مختلفة تماماً؛ إذ بات “بوقه الرقمي” أداة رئيسية لتشكيل وعي الأمريكيين حول العمليات العسكرية، في استراتيجية يرى خبراء أنها تهمش التكلفة البشرية للحروب وتدفع نحو “تطبيع” العنف.
“استراتيجية الارتجال”.. الحرب بـ “كبسة زر”

يؤكد روجر ستال، الأستاذ بجامعة جورجيا والخبير في تحليل الخطاب الحربي، أن ترامب يمارس في منشوراته سياسة “الإطلاق من الورك” (ارتجال بلا خطة)، مبتعداً عن كتيبات العلاقات العامة التقليدية. ويشير ستال إلى أن ترامب، بعد أن تعثرت وعوده بالتوصل لاتفاق نووي مع إيران وأعلن نهاية وقف إطلاق النار عقب هجمات مضيق هرمز، وجد نفسه أمام “ورقة وحيدة” للعبها، وهي الظهور بمظهر “رئيس وقت الحرب”.
ويضيف ستال: “الاستعراض بالقوة العسكرية استراتيجية تاريخية لقمة أي معارضة أو انتقاد شعبي، وترامب سيضغط على هذا الزر بأقصى قدر ممكن”.
“تخدير الجمهور”.. الحرب كعرض سينمائي
تحذر دراسات التضليل الإعلامي، وعلى رأسها أبحاث صموئيل وولي من جامعة بيتسبرغ، من أن نشر مقاطع لـ “انفجارات بعيدة” عبر وسائل التواصل لا يساهم فقط في تخدير مشاعر المشاهدين، بل يؤثر أيضاً على نفسية من ينشرها.
من جهتها، ترى سوزان كاروثرز، أستاذة التاريخ بجامعة وارويك، أن ما يحدث يعيد للأذهان “وهم الحرب الجراحية” الذي ساد خلال حرب الخليج عام 1991، حيث صور الصراع كـ “عملية تقنية دموية نظيفة”. وتضيف كاروثرز: “هناك نوع من الإثارة، بل والمرح، يغلف الحديث عن إزهاق الأرواح البشرية في الفضاء الرقمي”.
البيت الأبيض يرد: “لن نعتذر”
في المقابل، تدافع المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، عن هذا النهج، قائلة: “الرئيس كان واضحاً بأنه سيفعل ما يلزم لحماية وطننا وقواتنا في الخارج، ولن يعتذر أبداً عن تكريم المواهب المذهلة لمقاتلينا الذين يضعون حياتهم على المحك للحفاظ على أمن البلاد”.
مقامرة سياسية مفتوحة
على الرغم من وعود ترامب السابقة بـ “حرب خاطفة وسريعة”، تحولت الأزمة إلى صراع مفتوح على ممر تجاري حيوي، مما يثير تساؤلات حول الجدوى السياسية والانتخابية لهذا التصعيد.
ويخلص صموئيل وولي إلى أن “ترامب يبدو وكأنه توقف عن الاكتراث بما يفكر فيه الجمهور العام بشأن هذه الحرب”، مشدداً على أن نشر هذا النوع من المحتوى لا يمثل خطراً على الأمن القومي فحسب، بل هو مقامرة سياسية غير مدروسة قد تنقلب على نتائجها الانتخابية.
في ظل هذا “التخدير الرقمي” للحروب، هل نجح ترامب في استمالة القاعدة الشعبية عبر “خطاب القوة”، أم أن هذه المقاطع ستتحول تدريجياً إلى عبء يفاقم الانقسام الداخلي حول العمليات العسكرية الخارجية؟