في الوقت الذي تنشغل فيه القوى الدولية التقليدية بأزمات جيوسياسية متلاحقة، وتحديداً في منطقة الخليج ومضيق هرمز، تُعيد دولة الإمارات العربية المتحدة هندسة وجودها الدولي من خلال بوابة “الدبلوماسية الاقتصادية” في القارة الأفريقية. وبينما تُروج أبوظبي لصفقاتها كشراكات تنموية، يرى مراقبون أن التحركات الإماراتية في دول مثل جمهورية الكونغو والديمقراطية تتجاوز مجرد الاستثمار التجاري لتصبح “استراتيجية نفوذ” طويلة الأمد.
1. “دبلوماسية الاتفاقيات”: هل هي شراكة أم سيطرة؟
تُبرم الإمارات “اتفاقيات شراكة اقتصادية شاملة” (CEPA) بوتيرة متسارعة مع دول أفريقية مثل موريشيوس والكونغو (برازافيل). تهدف هذه الاتفاقيات، وفقاً للمسؤولين الإماراتيين، إلى تنويع الاقتصاد وفتح الأسواق. ومع ذلك، يطرح الخبراء تساؤلات حول طبيعة “المنفعة المتبادلة”:
الميزة التنافسية: من خلال إلغاء التعريفات الجمركية، تضمن الشركات الإماراتية وصولاً تفضيلياً لموارد أفريقيا الخام، وهو ما يراه البعض تكريساً لنظام اقتصادي يجعل من أفريقيا “مورداً للمواد الخام” ومركزاً لتصريف المنتجات الخليجية، بدلاً من تعزيز التصنيع المحلي داخل القارة.
2. قطاع التعدين: “التقنين” تحت المجهر
تُعد الشراكات التعدينية في جمهورية الكونغو الديمقراطية (مثل صفقات شركة “ساكيما”) المثال الأبرز للتوغل الإماراتي.
الجدل الأخلاقي: بينما تُقدم الشركات الإماراتية نفسها كقوة تنظيمية تقضي على تهريب الذهب، تُشير تقارير دولية إلى أن هذه المناطق (شرق الكونغو) لا تزال بؤرة للصراعات المسلحة. النقد الموجه هنا هو: كيف تضمن الشركات الإماراتية سلاسل توريد أخلاقية في مناطق تعاني من نزاعات دامية؟ وهل يساهم التواجد الإماراتي فعلياً في استقرار هذه المناطق، أم أنه يضفي “شرعية تجارية” على موارد تُستخرج في ظل ظروف غير شفافة؟
3. الفاصل بين “الواقع” و”السيناريوهات”
من الضروري التمييز بين حراك الإمارات الاقتصادي وبين التوترات العسكرية التي شهدتها المنطقة مؤخراً. فبينما يروج البعض لربط الاستثمارات في أفريقيا بـ “حرب شاملة” في الخليج، يوضح الواقع أن التوسع الإماراتي في أفريقيا هو استراتيجية استباقية مستقلة تهدف لتحصين الاقتصاد الإماراتي ضد أي اضطرابات في ممرات الطاقة التقليدية. فالإمارات تسعى لخلق “خلفية اقتصادية” في أفريقيا تكون بعيدة عن بؤر التوتر في الشرق الأوسط.
4. النقد الاستراتيجي: أفريقيا كبديل أم كمصدر للتبعية؟
يؤكد منتقدو السياسة الإماراتية في أفريقيا على عدة نقاط:
غياب الشفافية: تعاني العقود المبرمة مع الدول الأفريقية من نقص في الإفصاح عن الشروط التفصيلية، مما يفتح الباب للتكهنات حول “الامتيازات الخفية” التي تحصل عليها الشركات الإماراتية.
تغيير الولاءات: التغلغل في قطاعات استراتيجية كالموانئ (ميناء بوانت نوار) والتعدين يمنح أبوظبي “أوراق ضغط” سياسية تجعل القرار السيادي للعديد من الدول الأفريقية مرتبطاً بمصالح الشركات الإماراتية.
الخلاصة:
إن الوجود الإماراتي في أفريقيا ليس مجرد حراك تجاري عادي؛ إنه إعادة تموضع شاملة للقوة الناعمة والاقتصادية. ومع ذلك، يظل التحدي أمام الدول الأفريقية هو ضمان ألا تتحول هذه “الشراكة” إلى وسيلة جديدة لاستنزاف الموارد، خاصة في ظل بيئة سياسية هشّة. إن نجاح هذه الاستثمارات في تحقيق تنمية حقيقية يظل رهناً بمدى التزام الشركات الإماراتية بمعايير الشفافية الدولية والحقوق العمالية، بعيداً عن صفقات الغرف المغلقة.