في عاصمةٍ تزداد فيها الخطوط تداخلاً بين المصالح الوطنية والصفقات المالية الخاصة، أعلنت وزارة التجارة الأمريكية يوم الجمعة عن تحول جوهري في سياستها تجاه دولة الإمارات. وبموجب القواعد الجديدة، التي ستُعتمد رسمياً الأسبوع المقبل، ستمنح واشنطن امتيازات تصديرية واسعة لأبوظبي، بما في ذلك تسريع نقل تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، وتسهيلات خاصة لشركة “MGX” الاستثمارية الإماراتية. لكن، خلف هذا القرار الذي تبرره الإدارة بـ “متطلبات الأمن القومي”، تلوح في الأفق أسئلة أخلاقية لا تكتفي بمساءلة السياسة الخارجية، بل تمتد لتطال صلب “النزاهة الرئاسية” في عهد دونالد ترامب.
الجدل حول “العملة المستقرة” والصفقة المليارية
يقع جوهر الخلاف في شركة “MGX”، التي لم تكتفِ بكونها لاعباً رئيسياً في تمويل عمالقة الذكاء الاصطناعي مثل “OpenAI” و”Anthropic”، بل أصبحت متورطة في شبكة مالية معقدة. فقد استخدمت الشركة عملة مستقرة (USD1) مرتبطة بعائلة الرئيس ترامب وشركته “وول ليبرتي فاينانشال” (World Liberty Financial) لإتمام استثمار بقيمة ملياري دولار في منصة “بينانس”.
هذه الصفقة ليست مجرد تفاصيل تقنية في عالم الكريبتو؛ إنها “مربط الفرس” الذي دفع السناتور إليزابيث وارن إلى وصف القرار بـ “الفاسد”. فوفقاً لإفصاحات مالية حديثة، حقق الرئيس ترامب عوائد استثنائية بلغت 263 مليون دولار من هذه الصفقة، ضمن إجمالي أرباح قياسية من مشاريعه المشفرة تجاوزت مليار دولار في عام واحد. بالنسبة لنقاد مثل وارن، فإن “الصدفة” هنا تبدو وكأنها نمط متكرر، حيث تتقاطع المصالح الشخصية للرئيس مع قرارات إدارته السيادية.
“شريك دفاعي”.. ذريعة للأمن أم غطاء للمصالح؟
تدافع وزارة التجارة عن قرارها بربطه بـ “العملية فيوري” (Operation Epic Fury) —الحرب ضد إيران— وتعتبر أن ترقية وضع الإمارات كـ “شريك دفاعي رئيسي” يقتضي تسهيل وصولها إلى تقنيات الحوسبة المتقدمة. ومع ذلك، فإن هذه التسهيلات تشمل أيضاً شركة “G42” الإماراتية، التي طالما أثارت قلق الأجهزة الأمنية الغربية بشأن علاقاتها مع الصين، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تضحي واشنطن بهواجسها الأمنية التقليدية على مذبح التحالفات الاقتصادية الجديدة؟
“لعبة واشنطن” المعتادة
لا تقتصر المزايا على الجانب الإماراتي، بل تمتد لتشمل قائمة من عمالقة التكنولوجيا —من “أمازون” إلى “مايكروسوفت” و”أوبن إيه آي”— الذين سيستفيدون من تبسيط إجراءات التصدير. هذه التغييرات، وإن كانت ستسرع وتيرة الابتكار، إلا أنها تثير مخاوف حقيقية من “ثغرات رقابية” قد تسمح لوصول تقنيات حساسة إلى أطراف غير مرغوب فيها، في وقتٍ بات فيه الوصول إلى “رقائق الذكاء الاصطناعي” هو السلاح الأهم في الصراع الجيوسياسي القادم.
استدعاء للمساءلة
تطالب إليزابيث وارن الآن باستدعاء وزير التجارة هوارد لوتنيك، وأركان وزارته، إلى الكونغرس للإجابة عن أسئلة صعبة: كيف يمكننا الفصل بين “الأمن القومي” و”الثروة الرئاسية”؟
إن التاريخ السياسي يعلمنا أن “ضبابية تضارب المصالح” هي أسرع وسيلة لتقويض الثقة في المؤسسات. وفي الوقت الذي تروج فيه الإدارة لهذا القرار كـ “تحديث استراتيجي” يخدم أمن الولايات المتحدة، يبدو أن هناك قسماً متزايداً من المشرعين يعتقدون أن هذا “التحديث” هو مجرد حلقة جديدة في مسلسل دمج السياسة الخارجية بـ “مكتب المحاسبة الشخصي” للرئيس.
بينما يستعد جيفري كيسلر، وكيل وزارة التجارة، للمثول أمام الكونغرس الأسبوع المقبل، يظل التساؤل المعلق: هل باتت سياسة واشنطن الخارجية في عهد ترامب تُدار بمعايير استراتيجية، أم بمعايير “الربح العادل” لعائلة الرئيس؟
هل يعيد هذا القرار تعريف دور الولايات المتحدة كـ “ضامن للأمن التكنولوجي” العالمي، أم يمثل انسحاباً تكتيكياً نحو “الدبلوماسية القائمة على الصفقات”؟