Table of Contents
تحقيق سياسي واستراتيجي موسع
في الفترة الوجيزة الممتدة بين نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي (2025-2026)، شهد العالم حدثين من أضخم عمليات القتل الجماعي في التاريخ الحديث. الحدث الأول ربما تصدر شاشاتكم وامتلأت به خلايا تفكيركم: عبر عطلة نهاية أسبوع واحدة في شهر يناير، وجهت قوات الأمن الإيرانية فوهات بنادقها نحو المتظاهرين في المدن والبلدات عبر أنحاء البلاد، ورغم التعتيم الرقمي وقطع الإنترنت، تُشير التقديرات الحالية إلى مقتل ما بين 7,000 و35,000 إنسان؛ وهي وتيرة ومقياس قتل يتجاوز بكثير مجزرة “سربرنيتسا” الشهيرة عام 1995. ومع ذلك، حظيت مأساة إيران باهتمام العالم، ولم تغادر الجمهورية الإسلامية العناوين الإخبارية منذ ذلك الحين.
لكن المفارقة المأساوية تكمن في الحدث الثاني الموازي الذي جرى في التوقيت نفسه تقريباً، والذي سقط عمداً من ذاكرة العالم: الفظائع الرهيبة التي صاحبت سقوط مدينة “الفاشر” في السودان بيد الميليشيات شبه العسكرية المعروفة باسم “قوات الدعم السريع” (RSF) في أكتوبر من العام الماضي.
الفاشر وسربرنيتسا ورواندا: أرقام تائهة في طيات الصمت
تماماً كما هو الحال في إيران، فإن الحصول على أرقام دقيقة وحاسمة حول ضحايا سقوط الفاشر يُعد أمراً شبه مستحيل نظراً لظروف الحرب. ومع ذلك، فإن بورصة التقديرات الرسمية والأكاديمية تكشف عن هول الفاجعة:
- الحد الأدنى (تقديرات الأمم المتحدة): تشير إلى مقتل 6,000 شخص في غضون 3 أيام فقط.
- التقديرات البرلمانية البريطانية: وثق إيجاز قُدم للبرلمان البريطاني مقتل 60,000 شخص خلال 6 أسابيع.
- الحد الأقصى (مختبرات ييل للبحوث): صرح المدير التنفيذي لمختبرات ييل للبحوث لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن أعداد القتلى تتراوح بين 30,000 و100,000 قتيل خلال 6 أسابيع، معتبراً أن رقم 60,000 قتيل هو “نقطة منتصف منطقية ومقبولة إحصائياً”.
إذا تم تأكيد هذه الأرقام العليا رسمياً، فإن سقوط الفاشر سيمثل العملية العسكرية الفردية الأكثر دموية في القرن الحادي والعشرين بأكمله، ولا يضاهيها في السرعة والمقياس سوى ذروة الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994.
ولوضع الأمور في نصابها المقارن: استغرق الأمر ما يقرب من 21 شهراً من القصف المتواصل في قطاع غزة لتصل حصيلة القتلى إلى 60,000؛ بينما تمكنت قوات الدعم السريع من “تسريع” الوصول إلى هذا الرقم المخيف في عُشر ذلك الوقت (خلال 6 أسابيع فقط). ومع ذلك، انزلقت هذه الفظائع من العناوين الرئيسية، وفشل الصدمة الأولية في التحلل إلى فعل دولي مستدام.
جردة حساب السنوات الثلاث: أسوأ صراع على وجه الأرض
هذه المجزرة ليست سوى حلقة في سلسلة حرب السودان الشاملة التي بدأت تحديداً في 15 أبريل 2023، لتتحول سريعاً إلى أسوأ صراع مسلح على وجه البسيطة. الأرقام العامة المصاحبة لهذه الحرب باتت عصية على الاستيعاب العقلي البشري، لدرجة أن العقل البشري يميل غريزياً إلى تصنيفها كـ “أمر سيئ للغاية” ثم يغلق باب التفكير لعجزه عن معالجة هذه الأهوال:
- الضحايا: نحو 400,000 قتيل، معظمهم من المدنيين (عكس حرب أوكرانيا التي تنتج خسائر هائلة لكن السواد الأعظم من ضحاياها جنود ومرتزقة، باستثناء حصار ماريوبول في أسابيع الحرب الأولى).
- النزوح: ما يصل إلى 14 مليون شخص أُجبروا على الفرار من منازلهم.
- المجاعة: أكثر من 60% من السكان يواجهون أزمة غذاء حادة الطيف.
- الجرائم والانتهاكات: مدن كاملة أُبيد سكانها وأُحرقت عن بكرة أبييها، واكتشاف مراكز تعذيب في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع يختفي فيها مدنيون لا حصر لهم.
- العنف الجسدي: وثق أحدث تقرير لمنظمة “أطباء بلا حدود” (MSF) وباءً من العنف الممنهج الموجه ضد النساء والفتيات في إقليم دارفور، حيث كتالوج التقرير على الأقل 41 حالة قام فيها مقاتلو الدعم السريع وحلفاؤهم باغتصاب فتيات قاصرات دون سن الخامسة.
- التطهير العرقي: الفاشر لم تكن البداية؛ ففي عام 2023 شهدت مدينة “الجنينة” مجزرتين منفصلتين راح ضحيتهما ما بين 10,000 و15,000 مدني، وسط قناعة دولية متزايدة بأن الاستهداف العرقي الممنهج الذي تمارسه قوات الدعم السريع ضد المجموعات الأفريقية ذات البشرة السمراء (مثل قبائل المساليت والزغاوة) في دارفور يشكل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان. وفي القرن الحالي، لا ينافس هذه الأهوال سوى حرب إقليم “تيغراي” في إثيوبيا.
الجذور التاريخية: كيف صُنعت “الميليشيا الوحش”
في جوهره، النزاع هو صراع سلطة صفري بين فصيلين مسلحين: قوات الدعم السريع (RSF) بقيادة أمير الحرب محمد حمدان دقلو المعروف بـ “حميدتي”، والقوات المسلحة السودانية (SAF) بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان.
الجيش هو المؤسسة الرسمية للدولة، لكن الدكتاتور السابق عمر البشير كان يخشى دائماً منح الجيش احتكاراً كاملاً للسلاح خوفاً من أن ينقلب عليه ويزيحه عن السلطة. لذلك، قام البشير برعاية وترقية قوة بديلة وموازية: “قوات الدعم السريع”.
تأسست هذه القوات بالأساس من رحم ميليشيات “الجنجويد” البدوية التي نفذت الإبادة الجماعية الأولى في دارفور مع مطلع القرن الحالي. تتكون القوة في الغالب من الرعاة العرب الرحل في دارفور (رغم أنها أبرمت تحالفاً ميدانياً مع بعض الفصائل العسكرية المتمركزة في جنوب السودان).
خلال فترة ازدهارها في العقد الثاني من القرن الحالي، لم يقتصر دور قوات الدعم السريع على سحق التمرد في الداخل، بل تم إرسالها لمهام خارجية؛ حيث شاركت بفعالية في الحملة العسكرية المشتركة في اليمن، وهو ما جعلها تحظى بمكانة نفوذ بارزة لدى صناع القرار في أبوظبي. كان الهدف الأساسي للبشير هو جعل هذه القوة ثقلاً موازناً يحميه من جنرالات الجيش، وهو ما يضفي مفارقة تاريخية مريرة على ما حدث لاحقاً.
مسار الانهيار: من الثورة إلى الانقلاب فالانفجار
بعد عقود من الحكم القمعي وسوء الإدارة الاقتصادية، انتفض الشارع السوداني ضد البشير في عام 2019. توقع الدكتاتور أن يقوم الجيش أو قوات الدعم السريع بسحق الثورة؛ لكن المفاجأة كانت انضمام الطرفين إلى المتظاهرين لإزاحته عن السلطة.
تلا ذلك موجة عارمة من التفاؤل؛ حيث تم التأسيس لهيكل تقاسم سلطة انتقالي مُنح فيه الجيش والدعم السريع مقاعد على الطاولة إلى جانب مكون مدني، بهدف التمهيد للحكم المدني الكامل. لكن مع اقتراب موعد تسليم السلطة للمدنيين، وجد الجنرالان (البرهان وحميدتي) أن إدارة البلاد ستكون أسهل بكثير دون إزعاج المدنيين، فقاموا بالإطاحة بهم في انقلاب عسكري مشترك عام 2021.
ولم تكد تخمد أنفاس التجربة الديمقراطية الهشة، حتى بدأت التوترات تطفو على السطح بين الجيش والميليشيا حول قضايا حساسة مثل الجداول الزمنية وشروط دمج قوات الدعم السريع تحت القيادة الموحدة للجيش. وفشلت كل المفاوضات، وفي 15 أبريل 2023 انفجر الصراع المسلح في قلب العاصمة الخرطوم.
كانت التقديرات تشير إلى أن احتكار الجيش لسلاح الجو سيضمن له نصراً سريعاً وإن كان دموياً، لكن قوات الدعم السريع تمكنت من استخدام أنظمة دفاع جوي متطورة زودتها بها مجموعة فاغنر الروسية، مما حيد سلاح الجو السوداني. واجتاحت الميليشيا العاصمة، مما أجبر البرهان وقيادة الجيش على الفرار والتمركز في مدينة بورتسودان على ساحل البحر المحمر.
هذا التلخيص يظل تبسيطاً شديداً؛ فهو يغفل عوامل داخلية بالغة الأهمية مثل الاحتقان التاريخي المغلي بين الأقاليم الطرفية (مثل دارفور) والنخبة النيلية الحاكمة في الخرطوم، فضلاً عن البعد الأيديولوجي حيث تحاول قوات الدعم السريع تقديم نفسها كقوة علمانية في مواجهة الجيش الذي تتهمه بالتحالف مع الحركات الإسلامية.
تفكيك “فجوة الاهتمام”: لماذا لا يبالي أحد؟
تُظهر الدراسات التحليلية لوسائل الإعلام والبيانات الحكومية فجوة اهتمام مرعبة:
- دراسة في عام 2024: وجدت أن صحيفة “نيويورك تايمز” ذكرت حرب أوكرانيا بمعدل 13 ضعفاً مقارنة بالسودان.
- تقرير شركة التحليلات Charbeat: بمناسبة الذكرى الأولى للحرب، كشف أن وسائل الإعلام الكبرى تنشر أكثر من 100,000 قصة إخبارية شهرياً لتغطية أوكرانيا وغزة، بينما حظي السودان بمتوسط 600 قصة فقط شهرياً.
فما سبب هذا التجاهل؟ هناك عدة نظريات:
- النظرية الأولى (العنصرية): يرى البعض أن الضحايا في السودان يُصنفون في الغرب كأشخاص ذوي بشرة سمراء، وأن الغرب لا يهتم بحياة الأفارقة. لكن الشواهد التاريخية تدحض هذا التعميم؛ فمأساة دارفور الأولى تحولت إلى قضية رأي عام كبرى (Cause Célèbre) في أمريكا، وعقب زلزال هايتي عام 2010 (وهي دولة 95% من سكانها من السود)، تبرع المواطنون الأمريكيون العاديون من جيوبهم بـ 1.4 مليار دولار. فضلاً عن أن القضية التي استحوذت على الاهتمام الأكبر في العقد الحالي هي حرب غزة، والضحايا هناك ليسوا أوروبيين بيض بل فلسطينيون عرب. لذا، فإن حصر الأمر في خانة العنصرية هو تفسير سطحي ومبسط.
- النظرية الثانية (التعقيد وغياب “الأخيار”): الصراع في السودان معقد وشديد السيولة ولا توجد فيه جبهة تمثل “الخير المطلق” مقابل “الشر المطلق”. الجيش السوداني يقاتل نعم ضد ميليشيا إبادة جماعية تستعبد النساء، لكن هذا لا يجعل الجيش ملاكاً؛ فقد تورطت قوات الجيش مراراً في قصف أحياء مدنية عشوائية، وضرب أسواق مكتظة بالطيران، والتحالف مع جماعات إسلامية متطرفة تنفذ إعدامات ميدانية للأسرى. هذا التعقيد، مضافاً إليه وجود كوكبة من الميليشيات الأخرى (مثل القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، وفصائل أخرى)، يجعل صياغة قصة خبرية بسيطة للمواطن الغربي أمراً بالغ الصعوبة، فيفضل “إغلاق التفكير”.
- النظرية الثالثة (تزاحم الأزمات الإقليمية): يعيش العالم في عام 2026 ذروة إنهاك جيوسياسي غير مسبوق؛ فاختطاف رئيس فنزويلا، والمجازر ضد المحتجين في إيران، والتهديدات الأمريكية بضم غرينلاند، والحرب بين باكستان وأفغانستان، وشلل المكسيك بيد الكارتيلات، والهجمات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، والغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، إلى جانب حرب أوكرانيا المستعرة وانتخابات المجر؛ كلها أحداث تجعل المواطن العادي المثقل بعبء قروضه العقارية ووظيفته يفقد القدرة والاستيعاب النفسي لمتابعة أزمة أخرى كأزمة السودان.
الفشل المؤسسي والتواطؤ الدولي: من واشنطن إلى لندن
إذا كان المواطن العادي معذوراً لقلة استيعابه، فما هي حجة النخبة الدبلوماسية والقادة الدوليين؟ الحقيقة أن النخب الدولية تقدم أداءً “كارثياً” في الملف السوداني:
- الولايات المتحدة: قامت إدارة ترامب بتعيين رجل الأعمال مسعد بولس لمتابعة ملفات المنطقة والمساهمة في إنهاء الحرب، وهو شخص وصفه خبير الشؤون السودانية “كاميرون هيدسون” بأنه يفتقر للمؤهلات السياسية المباشرة لإدارة هذا الملف المعقد. ولم يكن مستغرباً أن تواجه هذه التحركات عثرات كبرى، تماماً كما هو الحال مع جهود المبعوث الأمريكي ستيفن ويتكوف في ملفات دولية أخرى.
- الاتحاد الأوروبي: اتخذ خطوة تثير السخرية عبر تنظيم “مؤتمر سلام” في برلين لعلاج الأزمة السودانية، دون أن يكلف نفسه عناء دعوة أي من الطرفين المتحاربين (الجيش أو الدعم السريع) لحضور المؤتمر!
- المملكة المتحدة: ترفض الحكومة البريطانية حتى الآن إدراج قوات الدعم السريع ضمن قوائم الإرهاب أو المنظمات المحظورة قانونياً (والتي تضم حزب الله، فاغنر، وحركة فلسطين آكشن)، وهو تصنيف كان سيجعل دعمهم جناية. يأتي هذا الرفض رغم التحقيقات الأخيرة لصحيفة “الغارديان” التي كشفت عن وجود شبكات تجنيد تابعة لقوات الدعم السريع تعمل داخل لندن، ومروجين بروباغندا رفيعي المستوى للميليشيا يمارسون نشاطهم علناً من مدن بريطانية مثل “شيفيلد”.
- الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي: وقفت الأمم المتحدة متفرجة وعاجزة عن منع مجازر الفاشر رغم تحذيرات الخبراء لشهور من وقوع إبادة في حال اجتياحها. أما الاتحاد الأفريقي فقد غاب تماماً عن المشهد، وأبدى عجزاً تاماً عن وقف إبادة جماعية تحدث داخل قارته.
- المجموعة الرباعية (Quad): التي تقود مفاوضات السلام وتضم (أمريكا، الإمارات، مصر، والسعودية)، أصيبت بالشلل التام وتحولت إلى كيان غير فعال نتيجة احتدام واشتعال التنافس الإقليمي الحاد بين الرياض وأبوظبي.
حرب الوكالات: شبكة المصالح التي تخنق السلام
السبب الحقيقي وراء استمرار الحرب هو أن هناك دولاً نافذة ومثقلة بالمال والاستراتيجية مستثمرة في هذه الحرب ولديها مصلحة في استمرارها:
- دولة الإمارات: يمثل انتصار قوات الدعم السريع أمراً حيوياً لرؤيتها الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA)، والتي تقوم على رعاية شبكة من القوى العلمانية أو المناهضة للإسلاميين. وتستمر أبوظبي في إمداد الميليشيا بالسلاح والعتاد مقابل الحصول على الذهب السوداني المنهوب، عبر شبكات تسهيل تشمل حكومة إثيوبيا الفيدرالية، وتشاد، والمناطق الخاضعة لسيطرة الجنرال خليفة حفتر في شرق ليبيا.
- المعسكر المقابل: دفع هذا التمدد الإماراتي كلاً من السعودية ومصر إلى الاستماتة في دعم الجيش السوداني لحرمان أبوظبي من هذا الانتصار. ومع تصلب هذه المحاور، بدأت تجتذب لاعبين آخرين؛ حيث تقترب إسرائيل وإثيوبيا من المحور الإماراتي، بينما تصطف تركيا وباكستان إلى جانب المحور السعودي.
- التعقيد المتداخل: تتدخل الفصائل المنشقة داخل هذه الدول في اللعبة؛ فبينما تميل الحكومة الفيدرالية الإثيوبية للدعم السريع، يقاتل بعض متمردي “التيغراي” في شمال إثيوبيا إلى جانب الجيش السوداني. أما الصومال فقد انحاز للجيش السوداني مدفوعاً بمخاوفه من أن حلفاء الدعم السريع (كإثيوبيا) يهددون سلامة أراضيه وسيادته.
في عالم عاقل، كان ينبغي أن تتوجه الجهود الدولية لفك وتفكيك الشبكة الإمارتية التي تغذي الميليشيا؛ لكن واشنطن متمسكة بالحفاظ على شبكة تحالفاتها في الخليج، بينما تستمر قوى أوروبية كبرى مثل فرنسا في بيع الأسلحة لأبوظبي. وإذا جلست مع قادة مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فسيقرون لفظياً بأن حرب السودان مروعة، لكنهم سيعترفون ضمناً بأنها ليست أولوية استراتيجية قصوى، وأن استقرار الشرق الأوسط والمصالح الخليجية تتقدم لديهم على الحرب الأهلية في هذا البلد الإفريقي.
الخلاصة والتحذير: نبوءة تشامبرلين تلوح في الأفق
في التحليل النهائي، يبدو أن العالم يتجاهل السودان لظنه أنه بلد “غير مهم”. يذكرنا هذا الموقف بالعبارة الشهيرة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين عام 1938 وصفاً لأزمة إقليم السوديت: “إنه مجرد خلاف في بلد بعيد، بين أشخاص لا نعرف عنهم شيئاً”. ولم يمر وقت طويل حتى تحول ذلك الحدث “غير المهم” إلى الحرب العالمية الثانية، أكبر أزمة واجهتها بريطانيا والبشرية.
لا نقصد القول بأن حرب السودان ستشعل حرباً عالمية ثالثة، لكن من الحماقة بمكان استمرار دحرها وتهميشها؛ فعالمنا المعاصر المترابط مليء بـ “نقاط الضغط” الجيوسياسية الحساسة، حيث يمكن لأي توتر طفيف في جهة أن يتردد صداه في الجهة المقابلة من الكوكب. فرأينا كيف أن إغلاق مضيق مائي ضيق في الشرق الأوسط يتسبب في قفزة بأسعار الوقود في ولاية “آيوا” الأمريكية أو أزمة غاز مسال في الهند.
السودان يمتلك شريطاً ساحلياً طويلاً يشرف مباشرة على البحر الأحمر، الذي يعد واحداً من أهم ممرات الشحن والاتصالات الحيوية في العالم. والآن, باتت الدول التي تشكل ركائز الاستقرار في الخليج والقرن الإفريقي تتداخل وتتشابك بعمق في أتون هذه الحرب، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر الانفجار الإقليمي.
إن استمرار انهيار السودان وتحوله إلى دولة فاشلة ومفككة سيولد موجات ارتدادية وصدمات تضرب ما وراء حدوده بطرق لا يمكن لأحد التنبؤ بها أو احتواؤها. قد يكون تجاهل هذه الحرب المدمرة أمراً رائجاً ومريحاً لعواصم القرار اليوم، لكن سنن الجغرافيا والسياسة تؤكد أن عواقب هذا الخذلان ستطرق أبواب الجميع يوماً ما.