مقدمة: فلسفة “الدرونز” في الحرب الحديثة.
لم تعد كلمة “طائرة مسيرة” (Drone) مجرد مصطلح يشير إلى تقنية عادية، بل أصبحت مفهوماً يحمل معاني متناقضة؛ فهي للمستخدم العادي لعبة تسلية بكاميرا بسيطة، وللمسؤول العسكري مقذوف موجه يمتلك رؤية فائقة الدقة، وللجنود في الميدان إما ملاك حارس أو مصدر رعب مستمر يسبب صدمات ما بعد الحروب.
إذا جردنا هذه الأنظمة من مسمياتها، سنجد أنها تشترك في جوهر واحد: “أنظمة غير مأهولة تسمح بفرض القوة وتحقيق الأهداف العسكرية دون الحاجة لوضع عنصر بشري داخلها”. يشمل ذلك مجالات الاستطلاع، الدعم اللوجستي، الاتصالات، والحرب الإلكترونية. إن غياب العنصر البشري المباشر هو ما سمح لهذه التكنولوجيا بالانتشار السريع والعمودي؛ حيث يمكن تصنيعها كأدوات معقدة وباهظة الثمن، أو كمسيرات انتحارية رخيصة ومستهلكة.
1. المفارقة الأوروبية: طموحات كبرى ونتائج متواضعة
على الورق، يمتلك الاتحاد الأوروبي كل المقومات التي تجعل منه قوة عظمى في مجال الطائرات المسيرة: شركات طيران عالمية، ميزانيات ضخمة لحلف الناتو، وحكومات تعشق صياغة الاستراتيجيات المستقبلية. ورغم ذلك، اتسم التاريخ الأوروبي خلال العشرين عاماً الماضية بالإخفاقات أو بإنتاج أعداد ضئيلة للغاية:
فرنسا: طورت مسيرة Harang (المستوحاة من تصميم إسرائيلي)، ولم يُنتج منها سوى أربع وحدات فقط.
ألمانيا: حاولت تعديل الطائرة الأمريكية Global Hawk لإنتاج نسخة Eurohawk المخصصة للاستطلاع عالي الارتفاع، لكن المشروع انتهى ببناء نموذج واحد يتيم.
بارقة الأمل الأوروبية:
تشير التحركات الأخيرة إلى محاولة تدارك الموقف؛ حيث أعلنت هيئة التسليح الأوروبية (OCCAR) عن اكتمال المراجعة التصميمية الحرجة لمشروع Eurodrone المشترك، مما يؤكد نضوج التصميم. كما بدأت فرنسا في الدفع بمشاريع وطنية لتعزيز قدراتها غير المأهولة بشكل مستقل.
2. النموذج الباكستاني: البراغماتية الذكية والتطوير التدريجي
تمكنت باكستان من بناء منظومة طائرات مسيرة كفؤة وعملية عبر استراتيجية هجينة تعتمد على الإنتاج المحلي والاستيراد الذكي:
أثبتت إسلام آباد قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة باستخدام مسيرات مصنعة محلياً.
عززت ترسانتها عبر صفقات شراء مدروسة من الصين وتركيا، مع السعي لإنشاء خطوط إنتاج محلي وتوسيع التعاون الصناعي مع الجانب التركي.
ورغم هذا النجاح العملياتي، لا تزال باكستان تفتقر إلى عمق سلاسل الإمداد المحلية المتكاملة وقدرات التصدير الواسعة التي تؤهلها لتكون نظاماً بيئياً مستقلاً لتصنيع الدرونز.
3. المعضلة الهندية: التراجع وعوائق البيروقراطية والتطوير
خلافاً لباكستان، عانى البرنامج الهندي لتطوير المسيرات الاستراتيجية من بطء شديد. ففي أواخر عام 2023 وأوائل عام 2024، نفد صبر نيودلهي بعد أكثر من عقد من التطوير المتعثر للمسيرة المحلية Tapas؛ إذ لم تحقق الطائرة الهوامش العملياتية والأداء الذي بنى عليه الجيش والقوات البحرية والجوية خططهم الاستراتيجية. ونتيجة لذلك، أغلقت الحكومة المشروع بوضعه الأصلي لعدم الكفاءة.
4. الإستراتيجية اليابانية: خطوات حذرة وتكنولوجيات هجينة
أملت الحسابات السياسية والقيود التشريعية على اليابان تبني مسار تدريجي للغاية ومقيد:
الاعتماد على الحليف الأمريكي: بدأت طوكيو بشراء منصات استطلاع مجربة مثل Global Hawk عام 2014، وإدماجها في الخدمة تدريجياً. ولاحقاً، اتجهت نحو طائرات SeaGuardian (النسخة البحرية من مسيرات ريبر) وبدأت تجاربها مع قوات الدفاع الذاتي البحرية عام 2022، لتدخل ثلاث وحدات (غير مسلحة) الخدمة رسمياً في أواخر عام 2024.
الجهود المحلية الخفية: تعمل وكالة المشتريات والتكنولوجيا واللوجستيات اليابانية (ATLA) على تمويل أبحاث الأنظمة غير المأهولة بهدوء. وفي مطلع العقد الحالي، سلمت شركة Subaru (المعروفة بصناعاتها المتنوعة) نموذجاً تجريبياً لمسيرة ثابتة الأجنحة لاختبار مفهوم “العمل الجماعي بين الأنظمة المأهولة وغير المأهولة” (Manned-Unmanned Teaming) برفقة المقاتلات والمروحيات.
5. أمريكا اللاتينية (البرازيل): إمكانات معطلة وتبعية خارجية
تعد البرازيل نموذجاً للدول التي تمتلك قدرات صناعية كبرى (مثل شركة إمبراير) لكنها لم تترجم ذلك إلى تفوق في مجال المسيرات الاستراتيجية الثقيلة:
اعتمدت القوات الجوية البرازيلية بالكامل على الواردات لسد الفجوة التشغيلية، حيث استخدمت مسيرات Hermes 450 الإسرائيلية لتأمين فعاليات كبرى مثل كأس العالم 2014 وأولمبياد 2016.
انتقلت لاحقاً إلى الطراز الأكبر Hermes 900 واستخدمته في الاستطلاع ومراقبة الكوارث الطبيعية.
تظل البرازيل تابعة للتصاميم الأجنبية في الفئات الكبيرة، بينما يقتصر نجاحها المحلي على الفئات الصغيرة (Mini UAVs) مثل الطائرة FD-100 Horus المستخدمة في دوريات الاستطلاع البري.
6. كوريا الشمالية: “مسيرات فرانكشتاين” والغموض العملياتي
تمثل كوريا الشمالية حالة فريدة؛ حيث نجحت في بناء ترسانة مسيرات تعتمد على تهريب التكنولوجيا المدنية وتجميعها تحت تسمية محليّة:
موزاييك الأجزاء الأجنبية: تكشف التحقيقات الأممية وتقارير المنشقين أن المسيرات الشمالية هي تجميع لقطع دولية؛ محركات مكبسية يابانية، شرائح ملاحة صينية، إلكترونيات أوروبية، وقطع أمريكية تُهرب عبر شركات وهمية. ويتم تجميع هذه “الفرانكشتاين درونز” في منشآت ضخمة مثل مصنع “6 يناير” قرب بيونغ يانغ.
الاختراقات العملياتية: أثبتت هذه المسيرات فاعليتها في اختراق الأجواء الجنوبية؛ ففي عام 2017 تمكنت مسيرة من تصوير منظومة “ثاد” الصاروخية الأمريكية في الجنوب قبل تحطمها أثناء العودة. وفي ديسمبر 2022، اخترقت 5 مسيرات شمالية الحدود وعجزت المقاتلات والمروحيات الهجومية الجنوبية عن إسقاط أي منها رغم إطلاق 100 قذيفة.
حدود القدرة الشمالية:
رغم التطور الظاهري وظهور عائلات جديدة مثل مسيرات الاستطلاع الكبيرة (Saetbyol-4 و Saetbyol-9) والذخائر المتسكعة (Kumsong)، يظل الغموض سيد الموقف. لا توجد معلومات مؤكدة حول أعدادها الحقيقية خارج العروض العسكرية، أو معدلات فشلها أثناء الاختبارات، أو مدى كفاءتها الحقيقية في حرب نظامية شاملة مقابل كونها مجرد أدوات دعائية مصممة للاستعراض السياسي.
خاتمة: المشهد العام والاتجاه المستقبلي
توضح المؤشرات العالمية أن التفوق في مجال الطائرات المسيرة لم يعد حكراً على الدول ذات التقاليد العسكرية العريقة، بل بات مرتبطاً بمرونة تبني التقنيات التجارية، وسرعة الدمج العقائدي، وتأمين سلاسل الإمداد. وبينما تحاول أوروبا واليابان اللحاق بالركب عبر مشاريع طويلة الأمد، تستغل قوى إقليمية أخرى كباكستان وكوريا الشمالية حلولاً بديلة (سواء عبر التحالفات أو شبكات التهريب) لفرض واقع جيوسياسي جديد يعتمد على الأساطيل غير المأهولة لكسر توازن القوى التقليدي.